الحياني ينتقد سلطات الرباط بعد منع الجلوس على العشب

حسين العياشي
مواكبة_لم يكن القرار الذي يقضي بمنع الجلوس واللعب فوق المساحات العشبية بمدينة الرباط مجرد إجراء تنظيمي عابر، بل تحول في ظرف ساعات إلى شرارة نقاش واسع أعاد طرح أسئلة أعمق حول طبيعة المدينة التي يعاد تشكيل ملامحها اليوم، ولأجل من تهيأ فضاءاتها العمومية. فبينما كانت الأسر تعتبر العشب الممتد على طول الكورنيش وبعض الساحات متنفسا يوميا يخفف قسوة الإسمنت واختناق الحرارة، ظهرت فجأة لافتات المنع لتضع المواطنين أمام مشهد بدا للكثيرين غريبا “مساحات خضراء ممنوع الاقتراب منها”.
في قلب هذا الجدل، خرج المستشار الجماعي عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، عمر الحياني، بانتقاد حاد لما اعتبره توجها غير مفهوم في تدبير الفضاءات الخضراء بالعاصمة. وكتب الحياني، في تدوينة أثارت تفاعلا واسعا، أن “آخر ما تفتقت به عقول المسؤولين بمدينة الرباط هو منع الجلوس واللعب على العشب، خصوصا على الكورنيش”، في إشارة إلى أن هذه الفضاءات لم تكن مجرد ديكور حضري، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى جزء من الحياة اليومية لسكان المدينة، خاصة العائلات والأطفال.
ولم يقف النقاش عند حدود قرار المنع، بل امتد ليستحضر واحدة من أكثر السياسات العمرانية إثارة للجدل في الرباط خلال السنوات الماضية، التوسع الكبير في تعميم المساحات العشبية. فالحياني ذكر بأن فيدرالية اليسار كانت من أوائل الأصوات التي عارضت هذا التوجه، ليس رفضا للمساحات الخضراء في حد ذاتها، بل بسبب الكلفة البيئية الباهظة المرتبطة بها، وعلى رأسها الاستهلاك الكبير للمياه في بلد يعيش على وقع سنوات متتالية من الجفاف. يومها، يقول المتحدث، قوبلت تلك التحذيرات بالاستهجان، قبل أن تعود الدولة نفسها لاحقا إلى الاعتراف بحجم الإشكال عبر إطلاق مشاريع ضخمة لإعادة تدوير المياه المخصصة لسقي العشب، باستثمارات وصفها الحياني بأنها بلغت “مئات ملايين الدراهم”.
غير أن المفارقة التي يطرحها هذا الجدل تبدو أكثر تعقيدا من مجرد خلاف حول العشب؛ فإذا كانت الدولة قد أنفقت مبالغ ضخمة من أجل توفير مياه سقي هذه الفضاءات والحفاظ عليها، فهل يعقل بعد ذلك أن تتحول إلى فضاءات للفرجة فقط؟ سؤال يطرحه كثير من سكان العاصمة اليوم، وهم يشاهدون الحدائق والكورنيش وقد أصبحت محاطة بثقافة المنع أكثر من ثقافة الإتاحة.
الحياني عبّر عن هذا التناقض بوضوح حين تساءل عن الغاية الحقيقية من القرار: هل الهدف هو حماية العشب؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا يتم اعتماد حلول مرحلية كتسييج بعض المناطق المتضررة أو إغلاقها مؤقتا إلى حين استعادة حالتها الطبيعية، بدل فرض منع شامل يحرم الجميع من استعمال الفضاءات العمومية؟
أما التبريرات المرتبطة ببعض السلوكات غير الحضارية، فقد اعتبرها المستشار الجماعي محدودة ولا يمكن أن تبرر سياسة المنع الجماعي. فمعالجة التجاوزات، وفق هذا المنطق، لا تتم بإبعاد المواطنين عن الفضاء العام، بل عبر المراقبة والتوعية وتطبيق القانون على المخالفين، دون تحويل المدينة إلى فضاء بارد تحكمه التعليمات أكثر مما تنبض فيه الحياة.
وفي خلفية هذا السجال، يبرز سؤال أكبر يتعلق بصورة الرباط التي يجري تشكيلها بصمت. فالمدينة التي تخضع منذ سنوات لتحولات عمرانية واسعة، من تهيئة الكورنيش إلى تجديد الساحات والشوارع الكبرى، تبدو اليوم أمام مفترق رمزي: هل المطلوب مدينة أنيقة تُلتقط لها الصور من بعيد، أم مدينة يعيشها سكانها فعلاً بكل تفاصيلها اليومية؟
لهذا لم يكن مستغربا أن يختم الحياني موقفه بانتقاد لاذع لما وصفه بمحاولة تحويل الرباط إلى “صالون للضياف”، مدينة تبدو جميلة للناظرين، لكنها تفقد تدريجيا روحها الاجتماعية ووظيفتها الإنسانية. وهي عبارة لامست، على ما يبدو، إحساسا متناميا لدى جزء من السكان بأن العاصمة تصمم أحيانا بعين الزائر أكثر مما تصمم بعين من يعيش فيها كل يوم.





