حكم قضائي صارم في قضية فيديو “الزواج من القاصرات” بالمغرب

مديحة المهادنة : صحافية متدربة
خبر_لم يعد الجدل الذي أثاره مقطع فيديو متداول، ظهر فيه رجل إماراتي يحرض على الزواج من قاصرات في المغرب، مجرد موجة غضب عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي، بل تحول إلى قضية ذات أبعاد قانونية وأخلاقية وإنسانية، عقب إعلان وكالة أنباء الإمارات، أمس الأربعاء 20 ماي، صدور حكم قضائي في حق المعني بالأمر.
وكانت “إعلام تيفي” قد سلطت الضوء على القضية منذ بداية انتشار المقطع داخل المغرب وخارجه، وما رافقه من عبارات صادمة مست كرامة النساء المغربيات، وقدّمت القاصرات في صورة مهينة تختزل الطفولة في “خيار متاح” أو “سلعة قابلة للاختيار”، ضمن خطاب لا يمكن التعامل معه باعتباره مزاحا عابرا أو رأيا شخصيا معزولا.
وبحسب ما أوردته وكالة أنباء الإمارات “وام”، فقد أصدرت الجهات القضائية المختصة حكما يقضي بسجن سيف سالم سيف علي المقبالي، إماراتي الجنسية، لمدة ثلاث سنوات، مع تغريمه خمسة ملايين درهم إماراتي، على خلفية نشر محتوى يتضمن تحريضا على الزواج من قاصرات في المغرب، وبث مواد من شأنها تأليب الرأي العام عبر الشبكة المعلوماتية.
كما تضمن الحكم حذف المقاطع المصنفة ضمن الأفعال الإجرامية، ومصادرة الهاتف المستعمل في التصوير أو النشر، إضافة إلى إغلاق الحساب المرتبط بالقضية، في رسالة واضحة مفادها أن الفضاء الرقمي لم يعد مجالا مفتوحا للإساءة إلى الأفراد والشعوب أو الترويج لممارسات تمس الكرامة الإنسانية وتجرمها القوانين.
وفي عمقها، لا تتعلق هذه القضية بمجرد فيديو مستفز أو تصريح مسيء، بل بخطاب خطير يستبطن نظرة دونية إلى القاصرات، ويحوّل الهشاشة الاجتماعية إلى مدخل للاستغلال. فحين يجري الحديث بهذه الخفة عن طفلات، والدعوة إلى السفر نحو بلد آخر بغرض الزواج منهن، فإن الأمر يتجاوز حدود “حرية التعبير” إلى مستوى أكثر خطورة، حيث تتقاطع الاضطرابات الفكرية مع غياب الوعي الأخلاقي وتصورات مشوهة للعلاقات الإنسانية.
وتكشف مثل هذه السلوكيات الرقمية أن المشكلة لا ترتبط ببلد أو جنسية بعينها، بل بوجود أنماط تفكير منحرفة قد تظهر داخل مختلف المجتمعات، وتحاول استعمال المنصات الاجتماعية لتطبيع أفكار تمس النساء والأطفال، أو تغليفها بالسخرية والتهكم لتسهيل انتشارها. غير أن الخطورة الحقيقية تبدأ عندما يتحول هذا الخطاب من رأي فردي معزول إلى محتوى قابل للتداول والتأثير والتحريض، خاصة حين يتعلق الأمر بفئة يفترض أن تكون محاطة بالحماية والرعاية.
ومن الزاوية القانونية، تعيد هذه القضية إلى الواجهة مسؤولية السلطات والمنصات الرقمية في التصدي لكل محتوى يمس الطفولة أو يبرر الاستغلال أو ينتهك الكرامة الإنسانية. فالقاصر ليس مادة للسخرية أو موضوعا للتداول الرخيص، بل إنسان يفترض أن يحظى بالحماية والتنشئة السليمة، وأي خطاب يضعه في سياق الاستغلال يستوجب المواجهة القانونية الصارمة.
أما أخلاقيا، فإن ما جرى يطرح أسئلة عميقة حول حدود “الحرية” داخل الفضاء الرقمي. فليست كل عبارة قابلة للتبرير باسم المزاح، وليست كل إساءة مجرد “سوء فهم”. هناك خطابات تكشف خللا حقيقيا في الوعي، لأنها تستهدف صورة مجتمع بأكمله، وتمس كرامة النساء، وتهدد أمن الأطفال، وتعيد إنتاج تصورات متخلفة ترفضها القوانين كما ترفضها القيم الإنسانية السليمة.
ويبقى البعد الإنساني الأكثر خطورة في هذه القضية. فكل حديث عن القاصرات خارج منطق الحماية والتعليم والكرامة يشكل اعتداء رمزيا على الطفولة نفسها. فالطفلة التي يفترض أن تجد الأسرة والمدرسة والمجتمع والقانون إلى جانبها، لا يمكن أن تتحول في مقطع عابر إلى موضوع دعوة أو تحريض أو مساومة.
ويحمل الحكم الصادر في الإمارات دلالة تتجاوز شخص المدان، إذ يؤكد أن الإساءة الرقمية قد ترتقي إلى مستوى الجريمة، وأن الترويج لاستغلال القاصرات ليس تفصيلا هامشيا في زمن المنصات المفتوحة. كما يبعث برسالة واضحة إلى كل من يعتقد أن الهاتف أو الشاشة يمنحانه حصانة للتطاول على كرامة الناس: فالكلمة قد تتحول إلى جريمة، والفيديو قد يصبح دليلا، والفضاء الرقمي لم يعد خارج نطاق المساءلة.
وبقدر ما تكشف هذه القضية عن يقظة قانونية، فإنها تضع المجتمعات أيضا أمام مسؤولية جماعية أوسع، تتمثل في حماية الأطفال والقاصرات، ليس فقط عبر النصوص والعقوبات، بل كذلك من خلال مواجهة الخطابات التي تبرر الاستغلال أو تطبع معه، والتصدي لكل عقلية تحاول تحويل الفقر أو الهشاشة الاجتماعية إلى مدخل للانتهاك.
واللافت في هذا الحكم أنه لا ينتصر فقط لقاصرات المغرب أو لكرامة النساء المغربيات، بل يكرّس مبدأ إنسانيا أوسع: حماية الكرامة الإنسانية أينما كانت، ومهما كانت جنسية الضحية أو موطنها. فالتحريض على استغلال القاصرات ليس شأنا محليا يخص بلدا بعينه، بل انتهاك للقيم الإنسانية المشتركة، واعتداء على حق الطفولة في الحماية والأمان. ومن هذا المنطلق، بدا الحكم الإماراتي رسالة واضحة مفادها أن القانون، حين يتحرك في مثل هذه القضايا، لا يحمي طفلة في بلد آخر فحسب، بل يدافع عن الإنسان في أكثر حالاته هشاشة واحتياجا إلى الحماية.





