لمباركي لـ”إعلام تيفي”: الترحال الحزبي يعكس ديمقراطية محروسة تعيد إنتاج الولاءات والنخب

المهدي سابق

يشكل الترحال الحزبي إحدى أكثر الظواهر إثارة للجدل داخل المشهد السياسي المغربي، إذ يتجدد حضوره مع كل محطة انتخابية ويعيد طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الأحزاب ووظائفها وحدود التمايز الإيديولوجي بينها.

فهل يتعلق الأمر بخيارات فردية تمليها الحسابات السياسية والمصالح الانتخابية، أم أنه نتاج لبنية مؤسساتية وثقافية تشجع على إعادة التموضع أكثر مما ترسخ الانتماء الحزبي؟ ولماذا يستمر هذا السلوك رغم القيود القانونية والدستورية التي وضعت للحد منه؟ للإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها، حاورت “إعلام تيفي” الباحث في علم الاجتماع محمد امباركي”، الذي يقدم قراءة سوسيولوجية وسياسية لظاهرة الترحال الحزبي وعلاقتها بطبيعة الحقل السياسي المغربي وآليات إنتاج النخب وإعادة تشكيل موازين القوة داخله.

كيف يمكن قراءة ظاهرة الترحال السياسي في المغرب؟ وهل يتعلق الأمر بسلوك فردي عقلاني أم ببنية مؤسساتية منتجة له؟

بداية، ينبغي الانتباه إلى أن مفهوم “الترحال السياسي” يكتنفه قدر من اللبس، لأن الأدق في تقديري هو الحديث عن “الترحال الحزبي”. فالسياسي يحيل إلى منظومة أوسع تشمل المواقف والرؤى والقناعات الإيديولوجية، بينما الحزب إطار تنظيمي ومؤسساتي يمكن الانتقال منه إلى آخر دون أن يرافق ذلك أي تحول في القناعات السياسية، بل إن بعض الفاعلين قد لا يعيرون لهذه القناعات اهتماما كبيرا أصلا. لذلك يرتبط الترحال الحزبي في الغالب بالمصالح الشخصية والطموحات الفردية أكثر مما يرتبط بخلافات فكرية أو سياسية، وهو ما يجعله تغييرا في المواقع أكثر منه تغييرا في القناعات.

ومن زاوية سوسيولوجية، يمكن فهم هذه الظاهرة في سياق الحقل السياسي المغربي الذي تصفه العديد من الأدبيات بأنه مجال تتداخل فيه شرعيتا التقليد والحداثة. وهنا تظل مقولة “الشيخ والمريد” التي اقترحها عبد الله حمودي أداة تحليلية مفيدة لفهم استمرار آليات تقليدية في تدبير السلطة والعلاقات داخل المؤسسات السياسية، بما فيها الأحزاب. فهذه الأخيرة لا تنفصل عن النسق الثقافي العام، ولذلك تستمر داخلها أنماط الولاء والشخصنة وشبكات النفوذ التي تطبع المجتمع الأوسع.

ورغم أن ظاهرة الترحال الحزبي رافقت الحياة السياسية المغربية منذ إقرار التعددية الحزبية بعد الاستقلال، فإنها استمرت حتى بعد إقرار مقتضيات دستورية وقانونية تروم الحد منها، من بينها الفصل 61 من الدستور وبعض مقتضيات القانون التنظيمي للأحزاب السياسية. غير أن المسألة تتجاوز الجانب القانوني، لأنها تعكس هشاشة بنيوية داخل الحقل الحزبي نفسه. فـ”النواب الرحل” ليسوا مجرد حالات فردية معزولة، بل يمثلون تجليا لعلاقة معقدة بين السلطة السياسية والمجتمع، يتم فيها إنتاج مشهد حزبي ضعيف التماسك عبر آليات متعددة للضبط والتوجيه، بما يساهم في ربط السياسة بالمصلحة وتقليص منسوب التسييس داخل المجتمع.

إلى أي حد يعكس انتقال الفاعلين السياسيين بين الأحزاب ضعف التمايز الإيديولوجي داخل الحقل الحزبي المغربي؟

الترحال الحزبي ظل، في جوهره، إحدى آليات الصراع حول النفوذ والمواقع بين الأحزاب السياسية. كما أنه يعكس تحولا عميقا في وظيفة الحزب السياسي، إذ أصبح الهاجس المركزي لدى عدد من التنظيمات هو التموقع داخل مؤسسات الدولة والمجالس المنتخبة أكثر من الارتباط بالمجتمع وقضاياه الحيوية. وفي هذا السياق، يتحول استقطاب المنتخبين والفاعلين المحليين إلى وسيلة سريعة وقليلة الكلفة لتعزيز الحضور الانتخابي والمؤسساتي.

وقد أفرز هذا الواقع انتقالا تدريجيا من التصور النضالي للحزب إلى تصور براغماتي قائم على الحسابات الانتخابية. فبدل المناضل الذي يحمل مشروعا فكريا ويلتزم بقيم التطوع والمسؤولية، برز نموذج المنخرط الذي يمتلك رأسمالا انتخابيا وشبكة علاقات اجتماعية وقدرة على جلب الأصوات. هذا التحول جعل الترحال الحزبي ممارسة عادية ومقبولة لدى عدد من الفاعلين، وأضعف أهمية الانتماء الفكري والإيديولوجي.

كما أن الظاهرة لم تعد مقتصرة على ما كان يسمى سابقا بالأحزاب الإدارية، بل امتدت إلى أحزاب كانت تصنف ضمن الصف الوطني الديمقراطي. لذلك فإن الترحال ليس سببا للأزمة بقدر ما هو نتيجة لديناميات سياسية أعمق جعلت كثيرا من الأحزاب تتحول إلى قنوات نفعية أكثر منها فضاءات للتأطير السياسي والتنشئة الديمقراطية. ومن ثم فهو يعكس مأزقا أوسع تعيشه الظاهرة الحزبية في المغرب أكثر مما يعكس اختلافات إيديولوجية حقيقية بين التنظيمات السياسية.

كيف يمكن تفسير استمرار منطق “الولاء القابل للتفاوض” في السلوك الانتخابي داخل بعض الدوائر من منظور الديمقراطيات الهجينة وإعادة إنتاج النخب؟

هذا المنطق لا يقتصر على مرحلة انتخابية بعينها، بل يرافق مختلف الاستحقاقات المحلية والتشريعية. ورغم الإجراءات القانونية التي سعت إلى عقلنة المشهد الحزبي، فإن الترحال استمر بأشكال متعددة، سواء عبر الاستقالة من الحزب الأصلي أو تأجيل إعلان تغيير الانتماء السياسي إلى نهاية الولاية الانتدابية أو غيرها من الصيغ التي تسمح بالالتفاف على القيود القانونية.

ومن أبرز سمات الديمقراطيات الهجينة أنها تفرغ العملية الانتخابية من رهاناتها السياسية الحقيقية، وتحول المنافسة إلى تدبير للمصالح والوجاهة أكثر مما هي تنافس بين مشاريع وبرامج. وفي هذا السياق، يشكل “النواب الرحل” جزءا من آلية أوسع لإعادة إنتاج النخب التي تحظى بقدر من القبول داخل مراكز النفوذ، عبر آليات ظاهرة وأخرى غير معلنة، من بينها ما أصبح يوصف إعلاميا بـ”الميركاتو الانتخابي”.

كما يجري الترويج لفكرة أن أهمية المرشح تتجاوز أهمية الحزب، وهو ما يؤدي تدريجيا إلى إضعاف العمل الحزبي وتقليص دوره في البناء الديمقراطي. وفي كثير من الحالات لا يكون الترحال فرديا فقط، بل يأخذ طابعا جماعيا، كما حدث مع تجارب سياسية شهدها المغرب خلال العقود الأخيرة، حيث انتقلت مجموعات وفعاليات من خلفيات متباينة إلى فضاءات سياسية جديدة دون أن يجمعها بالضرورة مشروع فكري أو إيديولوجي موحد.

هل يشير تراجع الترحال الحزبي إلى عقلنة الحقل السياسي أم إلى انتقال أشكال الزبونية إلى مستويات أكثر تعقيداً؟

لا يمكن اعتبار التراجع النسبي للترحال الحزبي مؤشرا مباشرا على عقلنة الحياة السياسية أو على ترسخ منطق المؤسسات والبرامج. فهذه الظاهرة، وإن كانت في حاجة إلى مزيد من التأطير القانوني والإرادة السياسية للحد منها، تظل مرتبطة بشبكة واسعة من العلاقات التقليدية ومنطق الزبونية وتبادل المصالح.

وغالبا ما يبرر الانتقال من حزب إلى آخر بخطابات تتحدث عن غياب الديمقراطية الداخلية أو البحث عن مشروع سياسي جديد، لكن توقيت هذه التحركات وسياقها يكشفان في كثير من الأحيان ارتباطها بصراعات التزكيات والاستعداد للاستحقاقات الانتخابية. فالفاعل الذي راكم رأسمالا انتخابيا وشبكة علاقات محلية يسعى إلى الحفاظ على هذه الموارد واستثمارها داخل إطار حزبي يضمن له فرصا أكبر للفوز أو النفوذ.

لهذا يمكن القول إن الترحال الحزبي يتحول في كثير من الحالات إلى مشروع استثماري تتحكم فيه اعتبارات فردية وسوسيو-ثقافية أكثر مما تحكمه رؤية سياسية أو ديمقراطية متكاملة. وهو ما يجعل الظاهرة مؤشرا على اختلالات بنيوية في الحقل الحزبي أكثر من كونها تعبيرا عن حيوية سياسية أو تداول طبيعي للنخب داخل المؤسسات الحزبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى