استحالة بناء دولة اجتماعية قوية في ظل هيمنة الاقتصاد غير المهيكل

بشرى عطوشي

تحليل_ أصبح القطاع غير المهيكل نظامًا قائمًا بذاته، نظامًا موازيًا ضخمًا يُشكّل سوق العمل المغربي، ويُرسّخ التفاوتات الاجتماعية، ويُهدد، على المدى البعيد، استدامة النموذج الاجتماعي الذي تسعى البلاد إلى بنائه.

ويُعدّ تقرير المندوبية السامية للتخطيط، والمُخصّص لموضوع “القطاع غير المهيكل، والنوع الاجتماعي، والشيخوخة”، بمثابة جرس إنذار اقتصادي واجتماعي حقيقي في هذا الصدد.

أكثر من ثلاثة أرباع إجمالي العمالة في المغرب تعمل في القطاع غير المهيكل، رقم صادم، وهو ما يعني أن الغالبية العظمى من العمال المغاربة يعملون خارج نظام الحماية الاجتماعية التقليدي، دون ضمانات تقاعدية أو استقرار وظيفي.

والأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن هذه الظاهرة، لا تقتصر على قطاعات هامشية قليلة، بل تمتد لتشمل الاقتصاد الوطني برمته. ويشير التقرير إلى وجود أكثر من مليوني وحدة إنتاج غير رسمية منتشرة في جميع أنحاء البلاد.

لطالما نُظر إلى القطاع غير الرسمي كصمام أمان اجتماعي، كوسيلة للاقتصاد المغربي لاستيعاب البطالة والحفاظ على حد أدنى من النشاط. ولا بد من الإقرار بأن هذا القطاع غالباً ما لعب دوراً وقائياً صامتاً.

لكن صمام الأمان هذا بات اليوم يُحدث شرخاً في نفسه، لأن عدم الرسمية لا تُولّد انعداماً فورياً للأمان فحسب، بل تُنتج أيضاً تفاوتاً يتراكم ببطء طوال الحياة العملية، قبل أن ينفجر عند سن التقاعد.

مغرب يشيخ بسرعة

المغرب يشيخ بسرعة، بل بسرعة فائقة، وفقًا لتوقعات المندوبية السامية للتخطيط، بحيث سترتفع نسبة إعالة كبار السن من 18.7 في المائة في عام 2021 إلى 24.5 في المائة بحلول عام 2030، ثم إلى 39.3 في المائة بحلول عام 2050.
بمعنى آخر، سيزداد عدد كبار السن المُعالين بشكل حاد رغم هشاشة قاعدة المساهمات.

في الوقت نفسه، ستنخفض نسبة إعالة الشباب تدريجيًا، وبالتالي، سينتقل العبء الديموغرافي من الشباب إلى كبار السن. وهذا يُغير كل شيء: فبإمكان أي دولة إعالة شريحة كبيرة من الشباب عندما توفر فرص عمل كافية وتستعد لمستقبلها الإنتاجي، أما الدولة التي تشهد شيخوخة سكانية قبل أن تُقوي اقتصادها بشكل كافٍ، فستجد نفسها أمام معادلة مالية أكثر تعقيدًا.

يشرح التقرير بوضوح آلية القنبلة الاجتماعية الموقوتة هذه: فالقطاع غير المهيكل يُقلل من المساهمات، وانخفاض مشاركة المرأة يُقلل من قاعدة المساهمات، ثم تُحوّل الشيخوخة السكانية هذه الاختلالات المتراكمة إلى ضغوط هائلة على المالية العامة وآليات دعم الأسرة.
وتزداد المشكلة وضوحًا عند النظر إلى عدم المساواة بين الجنسين. لم تتجاوز نسبة مشاركة المرأة في الاقتصاد المغربي 19.1% عام 2024، مقارنةً بنسبة 68.6 في المائة للرجال، فجوةٌ شاسعة، تُعدّ من بين الأكبر في الدول متوسطة الدخل.

بمعنى آخر، يبقى جزء كبير من طاقات المرأة الإنتاجية خارج سوق العمل، وعندما تعمل، تُحصر النساء في الغالب في أكثر أشكال العمل غير المهيكل هشاشةً.

ويشير التقرير إلى أن 70 في المائة من النساء العاملات يعملن في القطاع غير الرسمي، مقارنةً بنسبة 76.9 في المائة من الرجال. إلا أن طبيعة هذا العمل غير الرسمي تختلف اختلافًا كبيرًا بين الجنسين. فبالنسبة للنساء، غالبًا ما يتخذ العمل غير المهيكل شكل العمل غير المدفوع الأجر أو منخفض الأجر: رعاية الأسرة، والعمل المنزلي غير المرئي، والأنشطة المساهمة المعدومة.

أما بالنسبة للرجال، فهو يُدرّ دخلًا في أغلب الأحيان، وإن كان غير مستقر. ونتيجةً لذلك، تكتسب النساء حقوقًا اجتماعية أقل بكثير طوال حياتهن العملية.

وتتضح هذه العواقب عند التقاعد. بحسب بيانات المسح الوطني للشغل لعام 2021، لا تحصل سوى 15 في المائة من النساء اللواتي تبلغ أعمارهن 60 عامًا فأكثر على معاش تقاعدي فعلي، مقارنةً بـ 37 في المائة من الرجال، وهذه ليست سوى جزء من المشكلة.

يكشف التقرير أنه في عام 2020، بلغت نسبة المعاشات التقاعدية للنساء مقارنة بالرجال 11.1 في المائة. أي أن متوسط ​​معاشات النساء كان أقل بتسعة أضعاف تقريبًا من معاشات الرجال. هذا الرقم وحده يلخص الوضع.

كشفت الدراسة عن العنف الصامت والكامل الناتج عن تراكم أوجه عدم المساواة، ولا يظهر هذا التفاوت فجأة عند التقاعد، بل هو نتاج تراكم تدريجي للصعوبات: انخفاض المشاركة في سوق العمل، وقلة الوظائف ذات الرواتب الثابتة، وزيادة العمل غير الرسمي الذي لا يُسهم في الإنتاج، وانخفاض الأجور في القطاع الرسمي.

نشاط النساء في الشغل ليس حلا للأزمة

إن أكثر ما يُثير القلق في هذه الدراسة هو أنها تُفنّد العديد من المفاهيم الخاطئة الشائعة. قد يعتقد البعض، على سبيل المثال، أن مجرد ارتفاع مشاركة المرأة في  الشغل كافٍ لحل جزء من المشكلة.

مع ذلك، تُظهر محاكاة تقرير المندوبية السامة للتخطيط، أنه في غياب قدرة قوية على استيعاب النساء في القطاع الرسمي، قد تؤدي زيادة المشاركة في الواقع إلى مزيد من العمل غير الرسمي والبطالة.

في حالة زيادة مشاركة المرأة، يرتفع معدل توظيفها بالفعل بنسبة 6 نقاط مئوية. ولكن في الوقت نفسه، ينخفض ​​معدل انضمام النساء إلى القطاع الرسمي بنسبة 8.3 نقطة، وترتفع نسبة بطالتهن بنسبة 6.2 نقطة. وينتهي المطاف بأكثر من ثلثي الوظائف الجديدة المُستحدثة في القطاع غير الرسمي. بمعنى آخر، إذا لم يُوفر الاقتصاد الرسمي وظائف منظمة كافية، فإن فائض العمالة ينتهي به المطاف في وظائف غير مستقرة.

وينطبق الأمر نفسه على التعليم. فبينما يُحسّن سيناريو التعليم من اندماج المرأة في القطاع الرسمي بنسبة 3.6 نقطة، فإنه يؤدي أيضًا إلى زيادة في معدل بطالة النساء بنسبة 2.3 نقطة. لماذا؟ لأن الاقتصاد لا يُوفر وظائف رسمية كافية لاستيعاب تدفق الخريجات ​​الجدد.

محدودي قدرة القطاع الإنتاجي على خلق فرص شغل رسمية
ولعل هذه إحدى أهم نتائج التقرير: يُعاني المغرب من محدودية قدرة القطاع الإنتاجي على توفير وظائف رسمية كافية. وهنا أيضًا، يُفند التقرير وهمًا آخر: وهو أن مجرد تشديد العقوبات على القطاع غير الرسمي كفيل بحل المشكلة. صحيح أن سيناريو العقوبات الأكثر صرامة يُحسّن من اندماج المرأة في القطاع الرسمي بنسبة 2.3 نقطة ونسبة 2.1 نقطة للرجال، لكن الثمن باهظ: انكماش في إجمالي العمالة، وزيادة في معدل بطالة النساء بنسبة 2.6 نقطة مئوية، وزيادة في معدل بطالة الرجال بنسبة 3 نقاط مئوية، وتباطؤ في النشاط الاقتصادي.

وهذا يُبيّن أنه لا يُمكن تنظيم الاقتصاد بشكل مستدام بالإكراه وحده، بدون توسع موازٍ للقطاع الرسمي، إذ تُهدد العقوبات بتحويل الوظائف غير المستقرة إلى بطالة.

ويُبين التقرير أيضًا أن أنجع السيناريوهات هي تلك التي تجمع بين عدة عوامل في آنٍ واحد: تحسين التعليم، وزيادة الإنتاجية، وتخفيف معوقات سوق العمل، ودعم خلق فرص عمل رسمية، وزيادة مشاركة المرأة.

بعبارة أخرى، يكمن التحدي الذي يواجه المغرب في مواءمة الإصلاحات الاجتماعية مع تحول سريع وكافٍ في نموذج الإنتاج.

لأن تعميم الحماية الاجتماعية، مهما كان طموحًا، لن يكون كافيًا بمفرده. ويشير التقرير أيضًا إلى أن توسيع نطاق التغطية الصحية لا يُؤدي تلقائيًا إلى زيادة اشتراكات المعاشات التقاعدية. فالعديد من سجلات المعاشات التقاعدية لا تزال تفتقر إلى اشتراكات منتظمة وثابتة، لا سيما بين العمال ذوي الدخول غير المستقرة.

ولعلّ الجانب الأكثر إثارة للقلق هو “السقف الهيكلي” المعروف الذي سلطت عليه المندوبية السامية للتخطيط الضوء. فبحسب التوقعات، حتى مع التقارب التدريجي، قد تستقر نسبة المعاشات التقاعدية بين النساء والرجال عند حوالي 41 في المائة بعد عام 2070 ما لم تُجرَ إصلاحات عميقة ومنسقة.

ولعل أكثر ما يُثير القلق هو “السقف الهيكلي” المعروف الذي أبرزته المندوبية السامية للتخطيط. فبحسب التوقعات، حتى مع التقارب التدريجي، قد تستقر نسبة المعاشات التقاعدية بين النساء والرجال عند حوالي 41 في المائة بعد عام 2070 ما لم تُجرَ إصلاحات عميقة ومنسقة.

بمعنى آخر، تُهدد أوجه عدم المساواة الحالية بالانتقال إلى الأجيال القادمة إذا لم تُعالج الآليات التي تُنتجها الآن.

في نهاية المطاف، من المرجح أن يكون العقد الممتد من عام 2025 إلى عام 2035 حاسماً. ففي هذا اليوم تُرسم مسارات مساهمة الأجيال التي ستُموّل مجتمعاً مُسنّاً غداً. وهذا يُبيّن أنه لا يُمكن بناء دولة اجتماعية قوية ومستدامة في اقتصاد لا يزال القطاع غير الرسمي مُهيمناً فيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى