“الفراقشية” وراء اختناق ميناء الدار البيضاء بالتزامن مع قرار حكومي بإعادة ووقف رسم استيراد القمح اللين ومشتقاته

المهدي سابق

خبر_ يشهد ميناء الدار البيضاء منذ أسابيع حالة اختناق واضحة في حركة واردات الحبوب، بعد تدفق كبير لبواخر محملة بالقمح اللين في فترة زمنية متقاربة، ما أدى إلى تراكم الشحنات داخل الميناء وتعطل نسق التفريغ والتحميل، وامتداد طوابير السفن على طول السواحل المجاورة.

في محيط الميناء، لا تبدو الصورة وكاْنها حركة تجارية عادية كباقي الحركات. سفن تقف في الانتظار لأيام، وشاحنات تصطف في مسارات طويلة، وعمليات تفريغ لا تجري بالوتيرة المعتادة. خلف هذا المشهد، يتشكل نوع من “الضغط الصامت” داخل منظومة لوجستية يفترض أنها تعمل وفق تدفق منتظم للسلع الأساسية.

وتشير المعطيات إلى أن هذا الوضع لم ينتج عن عامل واحد، بل عن تداخل عدة عناصر في نفس التوقيت: ارتفاع كبير في وتيرة الاستيراد، محدودية الطاقة التشغيلية للميناء، وتفاوت في استمرارية خدمات عدد من المتدخلين داخل السلسلة اللوجستية. هذا التداخل أدى إلى ضغط متزايد على عمليات المعالجة والتخزين والنقل، وانعكس مباشرة على انسيابية حركة الميناء.

واْفادت مصادر مهنية مطلعة لـ”أعلام تيفي” واصفة الوضع بأنه حالة “تشبع”، بعدما دخلت كميات كبيرة من الحبوب في فترة زمنية قصيرة، دون أن تتم معالجتها بنفس الوتيرة، ما أدى إلى تراكم غير مسبوق في الشحنات وإطالة مدة مكوث السفن داخل الميناء، في مشهد يعكس اختلال في توازن العرض اللوجستي داخل واحد من أهم الموانئ التجارية في البلاد

استيراد متسارع وقرار حكومي بإعادة ضبط الرسوم

في موازاة هذا المشهد داخل الميناء، كانت هناك حركة أخرى لا تقل أهمية تدور في مستوى القرار العمومي، وتتعلق بكيفية إعادة تنظيم سوق القمح اللين من خلال آلية الرسوم الجمركية.

فقد صادق مجلس الحكومة على مشروع المرسوم رقم 2.26.419 المتعلق بإعادة ووقف استيفاء رسم الاستيراد المفروض على القمح اللين ومشتقاته، وهو مشروع قدمه الوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية فوزي لقجع

ويهم هذا المشروع تعديلات مرتبطة بوقف أو إعادة فرض رسوم الاستيراد، في إطار دعم المنتوج الوطني وضبط أسعار المواد الاستهلاكية، وهي آلية تعتبر من أدوات التوازن بين حماية الإنتاج المحلي وضمان استقرار التموين في السوق.

وأوضح الناطق الرسمي باسم الحكومة أن هذا القرار يأتي في سياق الموسم الفلاحي الحالي الذي عرف تساقطات مطرية وفيرة كان لها أثر إيجابي على القطاع الزراعي، خصوصا على محصول القمح اللين، معتبرا أن هذه الظروف تمثل فرصة لتثمين المنتوج الوطني وتحسين الوضعية المادية للفلاحين، في لحظة تعتبر فيها الفلاحة أحد محددات الأمن الغذائي الوطني.

وتشير المعطيات إلى أن سعر القمح اللين المحلي حدد في 280 درهما للقنطار خلال الموسم الحالي الممتد من فاتح يونيو إلى 31 يوليوز، إلى جانب منحة تخزين تبلغ 2.50 درهم لكل قنطار كل 15 يوما. هذه الأرقام، رغم طابعها التقني، تتحول عمليا إلى مؤشرات تحدد إيقاع السوق بين المنتج المحلي والمستورد، وتؤثر على قرارات التخزين والتوريد في لحظة حساسة من الموسم الفلاحي.

تزامن مع إعادة ضبط الاستيراد

لا يمكن فصل الضغط الحالي الذي يعرفه ميناء الدار البيضاء عن السياق الأوسع الذي يطبع الموسم الفلاحي الجاري، خاصة ما يتعلق بمرحلة الحصاد وتجميع القمح اللين المحلي، باعتبارها فترة حساسة في توازن السوق بين الإنتاج الوطني والواردات.

في هذه المرحلة تحديدا، تتقاطع الدورة الزراعية الداخلية مع حركة التجارة الخارجية. فبينما يبدأ الفلاحون في تسويق محاصيلهم، تكون السوق الدولية بدورها مفتوحة أمام واردات بأسعار تنافسية، ما يخلق لحظة توازن دقيقة بين العرض المحلي والكميات المستوردة.

كما يندرج هذا الوضع ضمن سياق سبق أن أثاره تحقيق صحفي حول ما وصف بـ“الفراقشية” في سوق الحبوب، والذي أشار إلى تسارع وتيرة استيراد القمح اللين خلال فترات محددة، مستفيدا من وضعية الإعفاء الجمركي (0%) ومن انخفاض الأسعار العالمية، بما سمح برفع حجم المخزون المستورد قبل دخول المحصول الوطني إلى السوق.

وفق هذه المعطيات، فإن هذا التسارع في الاستيراد لم يكن حدثا آنيا، بل امتد على فترة تتراوح بين شهرين وثلاثة أشهر، حيث جرى رفع الواردات تدريجيا قبل أن تتدفق بشكل مكثف نحو الميناء في فترة زمنية قصيرة، ما ساهم في خلق ضغط متصاعد على البنية المينائية، التي لم تكن مهيأة لهذا المستوى من التراكم في آن واحد.

هذا التداخل بين زمن الحصاد المحلي وزمن الاستيراد الخارجي وضع الميناء في موقع تقاطع مباشر بين سوقين: سوق إنتاج داخلي يدخل مرحلة التجميع، وسوق عالمي يتيح فرص الاستيراد بكلفة منخفضة، وهو ما جعل حركة الحبوب تتحول من تدفق منتظم إلى موجة مركزة في وقت قصير.

إلى جانب ذلك، تكشف المعطيات عن اختلالات في وتيرة عمل المتدخلين داخل الميناء. فبينما تواصل إدارة الجمارك عملها بشكل متواصل دون انقطاع، تشير مصادر مهنية إلى أن عددا من المتدخلين الآخرين، من بينهم مصالح تابعة لوزارة الصناعة والتجارة ومؤسسات تقنية ومختبرات، لا يؤمنون نفس الاستمرارية على مدار الساعة.

هذا التفاوت يؤدي إلى تراكم الطلبات خلال الليل، حيث لا يتجاوز عدد الملفات المعالجة بين منتصف الليل والسابعة صباحا حوالي 15 طلبا، ما ينعكس على بطء الإفراج عن الشحنات وتزايد الضغط داخل الميناء، خصوصا في فترات الذروة.

في الخلفية، يظهر أيضا عامل النقل كحلقة ضغط إضافية داخل السلسلة. إذ تشير المعطيات إلى أن القدرة المتاحة لنقل الكميات المستوردة لم تعد كافية أمام حجم الطلب، ما دفع بعض الناقلين إلى انتقاء الزبائن، وهو ما زاد من تعقيد سلسلة التوزيع وأطال مدة بقاء الشحنات داخل الميناء، في حلقة تراكمية تزيد من حدة الاختناق.

وتبرز الأرقام أيضا جانبا آخر من الصورة، حيث ارتفعت حصة المستوردين من الدعم المخصص للحبوب من 42.9% سنة 2021 إلى 84.8% سنة 2024، مع تسجيل استفادة مالية بلغت حوالي 2.578 مليار درهم خلال السنة الماضية. هذه المؤشرات تعكس تحولا تدريجيا في بنية الاستفادة داخل القطاع، حيث أصبح المستوردون في موقع متقدم داخل منظومة الدعم العمومي.

كما تشير المعطيات إلى أن سوق الحبوب يعرف مستوى من التمركز، حيث تتحكم قلة من الفاعلين في حلقات متعددة من السلسلة، من الاستيراد والتخزين إلى الطحن والتوزيع، مع سيطرة على جزء مهم من طاقات التخزين، يُقدّر بحوالي 80%، ما يمنح هذه الفئة قدرة على التأثير في تدفق السوق وفي توقيت دخول وخروج المخزون.

في المحصلة، يعكس الوضع في ميناء الدار البيضاء تقاطعا بين ضغط لوجستي متزايد، وتطورات في السياسة المرتبطة برسم استيراد القمح اللين، وبنية سوق مركزة، في سياق يتداخل فيه توقيت الحصاد مع دينامية الاستيراد وإعادة تشكيل قواعد الدعم والتسعير، داخل ملف يبدو أنه يتحرك في أكثر من اتجاه في آن واحد، لكن ينتهي دائماً عند نفس النقطة: بوابة الميناء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى