من الفراقشية إلى المحروقات: لماذا لا يشعر المواطن بثمار الإصلاحات؟

سعيد كان
كلما انفجر نقاش عمومي جديد في المغرب، سواء حول “الفراقشية” أو أسعار المحروقات أو المنافسة داخل الأسواق، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة:
إذا كانت القوانين موجودة، فلماذا لا يزال المواطن يشعر بأن الخلل قائم؟
هذا السؤال ليس انطباعًا شعبيًا فقط، بل أصبح موضوعًا لتقارير دولية متخصصة. أحدثها تقرير 2026 الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، إحدى أهم المؤسسات الدولية المعنية بتقييم الحكامة والنزاهة والشفافية في السياسات العمومية.
التقرير يقدم صورة تبدو متناقضة للوهلة الأولى.
فمن جهة، يشير إلى أن المغرب راكم خلال السنوات الأخيرة ترسانة قانونية ومؤسساتية متقدمة نسبيًا في مجال النزاهة والشفافية. فقد تم تعزيز الحق في الحصول على المعلومات، وتطوير آليات الرقابة، وتوسيع مسار الرقمنة الإدارية، وإرساء عدد من المؤسسات المعنية بالحكامة ومحاربة الفساد.
بل إن التقرير يعتبر أن الإطار القانوني المغربي في بعض الجوانب يتجاوز المتوسط المسجل لدى عدد من الدول.
لكن من جهة أخرى، يضع التقرير إصبعه على الجرح الحقيقي: التحدي لم يعد في سن القوانين، بل في تفعيلها وتحويلها إلى ممارسة يومية يشعر بها المواطن والمقاولة والمستثمر.
وهنا يصبح من الصعب تجاهل النقاشات التي تشغل الرأي العام المغربي اليوم.
فعندما يثار الجدل حول “الفراقشية” ودور الوسطاء في سلاسل التوزيع وارتفاع أسعار بعض المواد الأساسية، فإن المشكلة لا تتعلق بغياب النصوص المنظمة للأسواق، بل بمدى فعالية المراقبة وضمان المنافسة العادلة وحماية المستهلك.
وعندما يعود النقاش حول أسعار المحروقات وهوامش الربح والمنافسة داخل القطاع، فإن السؤال المطروح لا يكون غالبًا: هل توجد قوانين تنظم القطاع؟ بل: هل يتم تطبيق هذه القوانين بالصرامة نفسها على الجميع؟ وهل يشعر المواطن أن قواعد المنافسة والشفافية تعمل بالشكل المطلوب؟
هذا بالضبط ما يحاول تقرير OECD التنبيه إليه.
فالتقرير يتحدث عن تحديات مرتبطة بتضارب المصالح، وشفافية التأثير على القرار العمومي، وتنظيم أنشطة الضغط الاقتصادي والسياسي، وتحويل مبادئ النزاهة من نصوص قانونية إلى سلوك مؤسساتي يومي.
وهي قضايا تتقاطع بشكل مباشر مع النقاشات الاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها المغرب اليوم.
المشكلة أن بناء مؤسسات النزاهة أسهل بكثير من بناء ثقافة النزاهة.
يمكن للحكومة أو البرلمان أن يصادقا على قانون جديد خلال أشهر قليلة، لكن بناء الثقة يحتاج سنوات من التطبيق المتواصل للمحاسبة وربط المسؤولية بالمساءلة وإعطاء الانطباع بأن الجميع يخضع للقواعد نفسها دون استثناء.
ولهذا السبب، فإن المؤشرات الدولية المتعلقة بالفساد لا تقيس فقط عدد القوانين الموجودة، بل تقيس أيضًا مدى ثقة المواطنين والفاعلين الاقتصاديين في المؤسسات وقدرتها على فرض القانون بشكل متساوٍ.
وفي المغرب، تبدو هذه النقطة بالذات هي التحدي الأكبر.
فالمواطن لا يحكم على نجاح سياسات النزاهة من خلال عدد القوانين المنشورة في الجريدة الرسمية، بل من خلال تجربته اليومية في الإدارة والسوق والمحكمة والجماعة الترابية.
لا يهمه كثيرًا أن تكون لدينا أفضل النصوص القانونية في المنطقة إذا كان لا يشعر بأثرها في حياته.
لهذا، ربما لم يعد السؤال الحقيقي هو: هل يحتاج المغرب إلى قوانين جديدة لمحاربة الفساد؟
السؤال الأهم هو: كيف يمكن تحويل القوانين الموجودة أصلًا إلى واقع ملموس يعزز الثقة ويضمن تكافؤ الفرص ويقنع المواطن بأن قواعد اللعبة واحدة للجميع؟
ففي النهاية، الشفافية لا تُقاس بعدد النصوص القانونية ولا بعدد المؤسسات الرقابية.
الشفافية تُقاس بمقدار الثقة التي تمنحها للمجتمع.
وهذه الثقة هي العملة النادرة التي لا تزال تحتاج إلى استثمار أكبر من أي وقت مضى.





