هل يكشف اختفاء الأضاحي أزمة في سوق الماشية؟(حوار)

فاطمة الزهراء ايت ناصر 

في سياق موسمي اتسم بتوتر واضح في أسواق الماشية قبيل عيد الأضحى، برزت ظاهرة اختفاء الأكباش وارتفاع الأسعار بشكل لافت، ما أثار تساؤلات واسعة لدى المواطنين حول مدى توفر العرض الحقيقي مقارنة بما تم الإعلان عنه رسميا.

وبين خطاب يؤكد وفرة القطيع الوطني ومعطيات ميدانية توحي بالندرة، عاد النقاش مجددا حول طبيعة التوازن داخل سوق الماشية، والفارق بين الاكتفاء الذاتي كمعطى رقمي وبين الوفرة كشرط أساسي لاستقرار الأسعار وضمان ولوج عادل للأضاحي.

ولفهم كل هذا قمنا بحوار مع الخبير والمستشار الفلاحي رياض أوحتيتا.

إليكم نص الحوار:

كيف تقرؤون المشهد الذي عرفته أسواق الماشية خلال الأيام الأخيرة قبل عيد الأضحى؟

ما شهدته الأسواق خلال الساعات والأيام الأخيرة التي سبقت عيد الأضحى، خاصة ما تم وصفه باختفاء الأكباش، ليس مجرد حالة عابرة مرتبطة بطبيعة الطلب الموسمي، بل يعكس في العمق توترا واضحا في توازن السوق.

فقد وجدت العديد من الأسر نفسها أمام واقع غير متوقع، حيث اختفت الأضاحي أو أصبحت نادرة جدا في لحظة كان يفترض أن تكون فيها السوق في أوج نشاطها.

هذا الوضع خلق إحساسا عاما بأن العرض لم يكن في مستوى الطلب الفعلي، أو على الأقل لم يكن متاحا بالشكل الذي يسمح بتلبية حاجيات جميع الفئات، خصوصا ذوي الدخل المحدود الذين كانوا يعولون على اليوم الأخير للحصول على أضحية بسعر أقل نسبياً.

رغم هذا المشهد، أعلنت وزارة الفلاحة أن العرض يتراوح بين 8 و9 ملايين رأس. كيف يمكن فهم هذا التناقض؟

الإشكال هنا لا يتعلق فقط بالأرقام المعلنة، بل بكيفية ترجمتها على أرض الواقع، عندما يتم الحديث عن 8 إلى 9 ملايين رأس موجهة للعيد، فإن ذلك يبدو رقميا كافيا مقارنة بطلب يقدر بـ6 إلى 7 ملايين، لكن الواقع السوقي يكشف أن المسألة أكثر تعقيدا من مجرد مقارنة بين العرض والطلب.

فجزء مهم من هذا العرض قد لا يكون موجها فعليا للنحر بنفس المواصفات التي يطلبها المستهلك المغربي، سواء من حيث السن أو النوع أو الجودة.

كما أن جزءا من القطيع يدخل في مسارات تجارية أخرى قبل الوصول إلى السوق النهائية للعيد، وبالتالي، فإن الفجوة ليست بالضرورة في العدد الخام، بل في الجاهزية السوقية للعرض ومدى مطابقته للطلب الفعلي.

 تحدثت عن الفرق بين الاكتفاء الذاتي والوفرة، ماذا يعني ذلك عمليا؟

هذا التمييز مهم جدا لفهم الإشكال الحقيقي، الاكتفاء الذاتي يعني ببساطة أن البلد قادر على تغطية حاجياته الداخلية دون الحاجة إلى الاستيراد، أي أن الإنتاج الوطني يكفي من حيث المبدأ.

لكن الوفرة تعني شيئا مختلفا تماما، فهي تعني وجود فائض حقيقي ومريح في السوق، يسمح بخلق توازن لصالح المستهلك، وبالتالي يؤدي إلى استقرار أو حتى انخفاض الأسعار.

في الحالة المغربية، يمكن القول إننا قد نكون قريبين من مستوى الاكتفاء، لكننا بعيدون عن مرحلة الوفرة، وهذا ما يفسر استمرار ارتفاع الأسعار وعدم انعكاس الأرقام الرسمية على السوق بشكل ملموس.

لماذا لم تؤدِ الأرقام المعلنة إلى انخفاض في أسعار الأضاحي؟

لأن الأسعار في سوق الماشية لا تتحكم فيها الأرقام فقط، بل مجموعة من العوامل المركبة، من بين هذه العوامل طبيعة الطلب الموسمي المكثف خلال فترة قصيرة جدا، وسلوك المربين الذين يفضلون أحيانا تأجيل البيع أو توجيه المواشي إلى قنوات أكثر ربحية مثل المجازر أو المطاعم والفنادق، كما أن جزءا من العرض لا يدخل السوق بنفس الإيقاع، مما يخلق ضغطا زمنيا على الطلب.

إضافة إلى ذلك، هناك عامل التفضيل الثقافي للمستهلك المغربي الذي يميل إلى نوع معين من الأكباش، ما يقلص عمليا حجم العرض المقبول داخل السوق، حتى وإن كان العدد الإجمالي مرتفعاً.

ما الذي يكشفه هذا الوضع على المستوى البنيوي لقطاع تربية المواشي؟

ما حدث خلال عيد الأضحى لا يمكن فصله عن اختلالات بنيوية أعمق في القطاع، فالمشكل لا يتعلق فقط بسنة واحدة أو ظرفية مناخية أو اقتصادية، بل بمنظومة إنتاج كاملة ما زالت تعاني من هشاشة في عدة مستويات: الأعلاف، المراعي، التمويل، والتأطير التقني.

كما أن القطاع يعتمد بشكل كبير على ظروف مناخية غير مستقرة، ما يجعل الإنتاج عرضة للتذبذب من سنة إلى أخرى.

إضافة إلى ذلك، فإن غياب رؤية طويلة المدى لتأطير القطيع الوطني يساهم في إعادة إنتاج نفس الأزمات بشكل دوري، خاصة خلال المناسبات الدينية.

هل يمكن اعتبار سلوك المربين عاملا مؤثراً في هذا الخلل؟

بالتأكيد، سلوك المربين عنصر أساسي في فهم دينامية السوق، فالمربي ليس ملزما بالبيع في فترة العيد، بل يتصرف وفق منطق اقتصادي بحت يهدف إلى تعظيم الربح وتقليل الخسارة.

ومع ارتفاع كلفة الإنتاج وتذبذب أسعار الأعلاف، يصبح خيار بيع الماشية خارج فترة العيد، نحو المجازر أو قطاعات أخرى، أكثر جاذبية.

هذا السلوك، رغم أنه منطقي اقتصادياً، إلا أنه يخلق ضغطاً إضافياً على العرض خلال فترة زمنية قصيرة، ما يفاقم الاختلال بين العرض والطلب.

 ما الحلول الممكنة لتجاوز هذه الإشكالات مستقبلا؟

الحلول لا يمكن أن تكون ظرفية أو مرتبطة فقط بمواسم الأعياد، بل يجب أن تكون استراتيجية بعيدة المدى.

من الضروري إعادة هيكلة قطاع تربية المواشي عبر تحسين السلالات، وتوسيع برامج الدعم التقني، والاستثمار في البحث العلمي المرتبط بالإنتاج الحيواني.

كما أن إنشاء مراكز جهوية للتلقيح الاصطناعي والتحسين الوراثي يمكن أن يشكل رافعة مهمة لرفع الإنتاجية. إضافة إلى ذلك، فإن تطوير بدائل علفية مستدامة مثل الشعير المستنبت والبونيكام يمكن أن يخفف من ضغط الكلفة، ويجعل الإنتاج أكثر استقرارا.

ما الرسالة الأساسية التي يمكن استخلاصها من هذه الظرفية؟

الرسالة الأهم هي أن تدبير قطاع الماشية لم يعد يحتمل المقاربة الموسمية أو التدخلات الظرفية فقط، ما حدث خلال عيد الأضحى يعكس حاجة ملحة لإعادة النظر في السياسات الفلاحية المرتبطة بالثروة الحيوانية، والانتقال نحو رؤية شاملة توازن بين الإنتاج والاستهلاك، وتضمن استقرار السوق، وتحافظ في الوقت نفسه على الطابع الاجتماعي والديني لهذه الشعيرة.

فالأمر لا يتعلق فقط بلحظة عيد، بل بمنظومة غذائية واقتصادية تمس الأمن الغذائي الوطني على المدى البعيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى