المغرب يراهن على الذكاء الاصطناعي… لكن معركة الأمية لم تنتهِ بعد

سعيد كان

رأي_ في الوقت الذي تتسابق فيه دول العالم نحو الاستثمار في الذكاء الاصطناعي باعتباره الوقود الجديد للاقتصاد العالمي، يطمح المغرب إلى حجز موقع متقدم داخل هذا السباق التكنولوجي المتسارع. فالحكومة أعلنت أن استراتيجيتها الوطنية للذكاء الاصطناعي تستهدف إضافة ما يقارب 10 مليارات دولار إلى الناتج الداخلي الخام بحلول سنة 2030، إلى جانب خلق نحو 50 ألف وظيفة متخصصة في مجالات التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي.
أرقام تبدو واعدة، وتعكس إرادة سياسية واضحة لجعل المغرب أحد الفاعلين الصاعدين في الاقتصاد الرقمي بالقارة الإفريقية. غير أن هذا الطموح الكبير يطرح في المقابل سؤالاً جوهرياً لا يقل أهمية عن حجم الاستثمارات أو عدد الوظائف المنتظرة:
هل يمتلك المغرب اليوم القاعدة البشرية والتعليمية الكافية لتحويل هذا الحلم إلى واقع؟
سباق عالمي لا ينتظر المتأخرين
خلال السنوات الأخيرة، تحول الذكاء الاصطناعي من تقنية متخصصة إلى رهان استراتيجي للدول الكبرى. فالولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي ودول الخليج تضخ مليارات الدولارات في البنية التحتية الرقمية، ومراكز البيانات، والبحث العلمي، وتكوين الكفاءات.
وفي إفريقيا أيضاً، بدأت عدة دول في رسم استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي، إدراكاً منها أن الثورة الصناعية الجديدة لن تكون قائمة على النفط أو المعادن فقط، بل على المعرفة والبيانات والقدرة على الابتكار.
في هذا السياق، يبدو توجه المغرب منطقياً ومطلوباً. فالمملكة تتوفر على موقع جغرافي استراتيجي، وبنية اتصالات متطورة نسبياً، وتجربة متقدمة في استقطاب الاستثمارات الصناعية والخدماتية، إضافة إلى منظومة جامعية ومقاولات ناشئة بدأت تفرض حضورها في بعض المجالات الرقمية.
لكن التجارب الدولية تؤكد أن التكنولوجيا وحدها لا تصنع المعجزات.
فكل ثورة اقتصادية ناجحة كانت تسبقها أو ترافقها ثورة تعليمية حقيقية.
المفارقة المغربية
بينما تتحدث الخطط الرسمية عن وظائف المستقبل والاقتصاد الرقمي، ما يزال المغرب يواجه تحدياً قديماً اسمه الأمية.
ورغم الجهود المبذولة خلال العقود الماضية، لا تزال نسبة مهمة من المواطنين تعاني من صعوبات في القراءة والكتابة أو في اكتساب المهارات الأساسية المرتبطة بالتعلم والفهم والتحليل.
الأمر لا يتعلق فقط بالأمية في معناها التقليدي، بل أيضاً بما يسميه خبراء التربية “الفقر التعليمي”، أي امتلاك شهادة أو سنوات من الدراسة دون التمكن الفعلي من المهارات الأساسية التي تسمح للفرد بالتعلم المستمر والتكيف مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، وهنا تكمن المفارقة.
فالذكاء الاصطناعي لا يحتاج فقط إلى مهندسين ومبرمجين، بل يحتاج إلى مجتمع قادر على التعلم والتأقلم واستيعاب التغيير.
كيف يمكن الحديث عن اقتصاد قائم على البيانات بينما يعاني جزء من التلاميذ من صعوبات في الفهم القرائي؟
وكيف يمكن تكوين عشرات الآلاف من الخبراء في التكنولوجيا المتقدمة إذا كانت المدرسة لا تزال تكافح من أجل ضمان الحد الأدنى من التعلمات الأساسية للجميع؟
الذكاء الاصطناعي يبدأ من المدرسة
غالباً ما يُختزل الحديث عن الذكاء الاصطناعي في صور الروبوتات، ومراكز البيانات العملاقة، والتطبيقات الذكية.
لكن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير.
المهندس الذي سيطور منصة مغربية للذكاء الاصطناعي سنة 2035 هو طفل يجلس اليوم في قسم دراسي.
والباحث الذي سيبتكر حلولاً رقمية لمشكلات الصحة أو الفلاحة أو التعليم هو تلميذ يتعلم الآن القراءة والحساب والتفكير النقدي.
لذلك فإن الاستثمار الحقيقي في الذكاء الاصطناعي لا يبدأ داخل المختبرات فقط، بل يبدأ داخل الأقسام الدراسية.
إنه يبدأ عندما يتقن الطفل القراءة.
ويبدأ عندما تتوفر له مدرسة جيدة.
ويبدأ عندما يحصل على تكوين يسمح له بفهم العالم لا بحفظ المعلومات فقط.
فالثورة الرقمية في جوهرها ليست ثورة آلات، بل ثورة عقول.
الخطر الحقيقي ليس الطموح… بل الفجوة
ليس خطأ أن يطمح المغرب إلى اقتصاد قائم على الذكاء الاصطناعي.
على العكس تماماً.
الخطر الحقيقي يكمن في ظهور فجوة متزايدة بين مغرب قادر على الاستفادة من التحولات التكنولوجية ومغرب آخر يجد نفسه خارج هذه الدينامية.
فإذا لم ترافق الاستثمارات الرقمية إصلاحات عميقة في التعليم والتكوين والتأهيل المهني، فقد تتحول التكنولوجيا إلى عامل يوسع الفوارق الاجتماعية بدل أن يقلصها.
حينها ستستفيد فئات محدودة من فرص المستقبل، بينما ستواجه فئات أخرى خطر التهميش الاقتصادي والمهني.
لهذا السبب تؤكد العديد من التجارب الدولية أن نجاح التحول الرقمي لا يقاس فقط بعدد الشركات الناشئة أو الاستثمارات الأجنبية أو مراكز البيانات الجديدة، بل أيضاً بمدى قدرة المجتمع بأكمله على المشاركة في هذا التحول.
لماذا يبقى التفاؤل ممكناً؟
ورغم كل هذه التحديات، فإن أسباب التفاؤل ما تزال قائمة.
فالمغرب يمتلك اليوم فرصة تاريخية نادرة.
فهو ليس مضطراً إلى إعادة اختراع العجلة، بل يمكنه الاستفادة من تجارب الدول التي سبقته في هذا المجال، وتجنب كثير من الأخطاء التي وقعت فيها.
كما أن التحول الرقمي نفسه يمكن أن يصبح جزءاً من الحل، من خلال توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في تطوير التعليم، ودعم التعلم الشخصي، ومحاربة الهدر المدرسي، وتوسيع فرص التكوين المستمر.
المطلوب إذن ليس الاختيار بين التعليم والذكاء الاصطناعي.
وليس الاختيار بين محاربة الأمية والاستثمار في التكنولوجيا.
بل الجمع بين الاثنين باعتبارهما وجهين لمشروع تنموي واحد.
فكل درهم يُستثمر في المدرسة اليوم قد يتحول غداً إلى قيمة مضافة داخل اقتصاد المعرفة.
وكل طفل يكتسب مهارات التعلم والتفكير اليوم قد يصبح بعد سنوات أحد صناع التكنولوجيا المغربية.
المستقبل يُبنى بالإنسان أولاً
قد ينجح الذكاء الاصطناعي في إضافة 10 مليارات دولار إلى الاقتصاد المغربي خلال السنوات المقبلة.
وقد تنجح المملكة في خلق آلاف الوظائف الجديدة واستقطاب استثمارات نوعية في التكنولوجيا.
لكن الرهان الأكبر سيظل دائماً هو الإنسان.
لأن الدول لا تصبح قوية فقط بما تملكه من تقنيات، بل بما تملكه من عقول قادرة على استخدامها وتطويرها.
ولأن الطريق إلى اقتصاد الذكاء الاصطناعي لا يمر أولاً عبر الخوارزميات ومراكز البيانات، بل يمر عبر مدرسة جيدة، وتعليم قوي، ومجتمع لا يُترك فيه أحد خارج المستقبل.
هناك تبدأ القصة الحقيقية للتنمية.
وهناك أيضاً يتحدد ما إذا كان حلم الذكاء الاصطناعي المغربي سيصبح واقعاً اقتصادياً واجتماعياً، أم مجرد رقم جميل في وثيقة استراتيجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى