عيد الأضحى يكشف المستور ولجنة التقصي تسقط ب 83 مستشارا تحت قبة البرلمان

جمال بلــــــة
تحليل _ خلال الأيام الأخيرة، سجل المتتبع السياسي المغربي، وباستغراب كبير قرار رفض 83 مستشارا برلمانيا التصويت على ملتمس تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول ملف دعم مربي الماشية، وهو الملف الذي عاد إلى واجهة النقاش العمومي بقوة عقب الجدل الواسع الذي رافق عيد الأضحى، وما أفرزه من تساؤلات حول مصير الأموال العمومية المخصصة للدعم، وحول مدى انعكاسها الفعلي على تنمية القطيع الوطني وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
وقد أعادت هذه الواقعة إلى الواجهة نقاشا قديما يتعلق بمدى تفعيل الآليات الدستورية الرقابية داخل المؤسسة التشريعية، خاصة وأن لجنة تقصي الحقائق تعد من بين أهم الوسائل التي خولها الدستور للبرلمان من أجل كشف الحقيقة وترتيب المسؤوليات السياسية والأخلاقية، غير أن اللجوء إلى هذه الآلية ظل نادرا في الممارسة السياسية المغربية، رغم تعدد الملفات التي أثارت جدلا واسعا خلال السنوات الماضية، من قبيل ملف المحروقات، وملف الأدوية، وبرنامج المغرب الأخضر، وغيرها من الملفات التي كان الرأي العام ينتظر بشأنها أجوبة واضحة وتفسيرات دقيقة.
وجاء رفض تشكيل لجنة لتقصي الحقائق في ظرفية اتسمت بتضارب التصريحات الحكومية بشأن الأرقام الحقيقية للقطيع الوطني، وحجم الدعم الموجه للكسابة، والفئات المستفيدة منه، الأمر الذي زاد من حدة الشكوك والتساؤلات لدى فئات واسعة من المواطنين، فبينما قدمت الحكومة معطيات مختلفة حول نتائج برامج الدعم، ظلت أسئلة عديدة معلقة دون إجابات مقنعة، خاصة فيما يتعلق بمدى استفادة صغار المربين مقارنة بكبار الفاعلين في القطاع.
وكان من شأن تشكيل لجنة لتقصي الحقائق أن يشكل تمرينا ديمقراطيا راقيا يضع الجميع أمام مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية، بعيدا عن منطق الاصطفافات السياسية والحسابات الحزبية الضيقة، كما كان من الممكن أن يساهم في كشف حقيقة المستفيدين من الدعم العمومي، وحجم الأموال المرصودة، ومدى احترام الالتزامات السياسية التي تعهد بها المسؤولون الحكوميون أمام المواطنين وممثلي الأمة.
كما أن مثل هذه اللجان لا تستهدف تصفية الحسابات أو تحقيق مكاسب سياسية ظرفية، بقدر ما تروم تعزيز الثقة في المؤسسات وترسيخ مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالدول التي تحترم مؤسساتها الدستورية تجعل من تقصي الحقائق ممارسة عادية كلما تعلق الأمر بملفات تهم المال العام أو تثير شكوكا لدى الرأي العام، باعتبارها آلية ضرورية لتوضيح الوقائع وتحصين المسار الديمقراطي.
لقد كان بإمكان لجنة من هذا النوع أن تقدم للرأي العام صورة أوضح عن حقيقة ما جرى في ملف دعم الكسابة، وأن تحدد مكامن الخلل والمسؤوليات المحتملة، وأن تضع حدا لحالة الجدل التي رافقت هذا الملف، غير أن إسقاط المقترح أعاد طرح تساؤلات عميقة حول حدود الرقابة البرلمانية ومدى استعداد الفاعلين السياسيين للانخراط في مسار كشف الحقائق عندما يتعلق الأمر بقضايا حساسة تمس تدبير المال العام وانتظارات المواطنين.
و الأكيد أن الجدل الذي أثاره هذا الملف لن يتوقف عند حدود التصويت داخل المؤسسة التشريعية، بل سيستمر في الفضاء العمومي باعتباره اختبارا حقيقيا لمستوى النضج الديمقراطي، ولمدى قدرة المؤسسات على الاستجابة لمطالب الشفافية والمساءلة التي باتت تشكل إحدى أبرز انتظارات المغاربة في المرحلة الراهنة.





