مجلس اعمارة يدق ناقوس الخطر بشأن التكوين المستمر ويطالب بإصلاح عاجل

أميمة حدري
خبر_ دق المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، برئاسة عبد القادر اعمارة، ناقوس الخطر بشأن وضعية التكوين المستمر في القطاع الخاص، داعيا إلى إطلاق إصلاح عاجل وشامل للمنظومة من أجل توسيع استفادة العاملات والعاملين والمقاولات، وتعزيز تنافسية النسيج الاقتصادي الوطني في مواجهة التحولات المتسارعة التي يشهدها سوق الشغل.
وكشف المجلس، في رأي جديد أعده في إطار إحالة ذاتية وصادقت عليه جمعيته العامة، أن منظومة التكوين المستمر، رغم ما راكمته من مكتسبات خلال السنوات الماضية، ما تزال تعاني من اختلالات بنيوية تحد من فعاليتها وتقلص من فرص الولوج المنصف إلى خدماتها. وأوضح أن التكوين المستمر تحول تدريجيا إلى رافعة أساسية لتثمين الرأسمال البشري ومواكبة تطور عدد من القطاعات الاستراتيجية، غير أن نتائجه على مستوى الاستفادة الفعلية ظلت دون التطلعات.
وأبرز المجلس أن حجم استفادة المقاولات من برامج التكوين المستمر يبقى محدودا للغاية، مشيرا إلى أن سنة 2022 لم تشهد استفادة سوى 1647 مقاولة من عقود التكوين الخاصة، من أصل نحو 315 ألف مقاولة خاضعة لرسم التكوين المهني، وهو ما يمثل أقل من نصف في المائة من مجموع المقاولات المعنية.
وسجل المجلس أن المنظومة الحالية لا تزال غير قادرة على استيعاب فئات واسعة من النشيطين، وفي مقدمتهم العمال المستقلون وغير الأجراء، بسبب شروط الاستفادة المعمول بها، وعلى رأسها الارتباط بالانخراط في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. لافتا إلى محدودية آلية التصديق على مكتسبات التجربة المهنية، التي لم يستفد منها سوى عدد محدود من الأشخاص منذ إطلاقها، رغم وجود شريحة واسعة من العاملين لا تتوفر على شهادات مهنية أو أكاديمية.
وأرجع المصدر ذاته هذا الوضع إلى تأخر استكمال الإطار التنظيمي المؤطر للتكوين المستمر، موضحا أن القانون رقم 60.17، الذي جاء لإصلاح المنظومة وتوسيع دائرة المستفيدين، ما يزال ينتظر صدور النصوص التطبيقية اللازمة لتفعيله بشكل كامل. مشيرا إلى غياب آليات تمويل تشمل مختلف فئات النشيطين، فضلا عن تعقيد المساطر الإدارية المرتبطة بالحصول على التمويلات.
وأكد أن طول آجال تعويض المقاولات عن مصاريف التكوين يشكل بدوره عائقا إضافيا أمام الاستثمار في تنمية الموارد البشرية، إذ يؤدي إلى الضغط على السيولة المالية للمقاولات ويحد من قدرتها على توسيع برامج التأهيل والتكوين لفائدة مستخدميها.
وفي تشخيصه للعرض التكويني، سجل المجلس وجود تفاوتات مجالية واضحة، مشيرا إلى تمركز أغلب هيئات التكوين والاستشارة المؤهلة بمدينة الدار البيضاء، الأمر الذي يحرم العديد من المقاولات الموجودة خارج الأقطاب الاقتصادية الكبرى من الاستفادة من فرص التكوين والمواكبة، ويعمق الفوارق بين الجهات.
كما اعتبر أن إصلاح منظومة التكوين المستمر لم يعد خيارا مؤجلا، بل أصبح ورشا استعجاليا يتعين إدراجه ضمن سياسة عمومية متكاملة تنظر إلى التكوين المستمر باعتباره حقا للعاملات والعاملين ومسؤولية مشتركة بين الدولة والمشغلين، مع إقرار إلزاميته في عدد من القطاعات الحيوية.
وفي هذا السياق، أوصى المجلس بإحداث هيئة وطنية مستقلة للتكوين المستمر وتثمين الخبرات والكفاءات، تتولى قيادة المنظومة والإشراف على تدبيرها، مع ضمان تمثيلية متوازنة للسلطات العمومية وأرباب العمل والشركاء الاجتماعيين. داعيا إلى تخصيص نسبة 30 في المائة من موارد رسم التكوين المهني لتمويل برامج التكوين المستمر من خلال صندوق خاص يخضع لتدبير مستقل وشفاف.
وشدد المجلس على أهمية تسريع التحول الرقمي للمنظومة عبر إحداث منصة وطنية مندمجة لتدبير مختلف مراحل التكوين المستمر، بما يتيح تبسيط المساطر وتقليص آجال معالجة الملفات وتعويض المقاولات، فضلا عن توفير قاعدة بيانات دقيقة تساعد على تتبع وتقييم السياسات العمومية ذات الصلة.
كما دعا إلى إقرار تدابير خاصة لفائدة المقاولات الصغيرة جدا، من خلال التكفل الكامل بمصاريف التكوين وتسهيل الولوج إلى البرامج التكوينية، إلى جانب تطوير صيغ بيداغوجية أكثر مرونة تعتمد التكوين عن بعد والتكوين الهجين والتكوينات قصيرة المدة، بما يستجيب لحاجيات العاملين وإكراهات المقاولات بمختلف أحجامها وقطاعاتها.
ويعكس هذا التشخيص، بحسب المجلس، الحاجة الملحة إلى إعادة بناء منظومة التكوين المستمر على أسس أكثر نجاعة وإنصافا، بما يضمن تأهيل الكفاءات الوطنية ومواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة، ويجعل من الاستثمار في الرأسمال البشري ركيزة أساسية لتعزيز تنافسية الاقتصاد المغربي خلال السنوات المقبلة.





