العزوف السياسي

د.عبد الرحيم بوعيدة
رأي_ثمّةَ أسئلةٌ تولد في غرفة، وتموت في غرفة أخرى دون أن تجد الممرَّ الصحيح بينهما.. وسؤال “العزوف السياسي” واحدٌ من هذه الأسئلة التائهة، أُلقي في البستان الخطأ، فلم تُثمر بذرته سوى الحيرة والصمت.
طُرح هذا السؤال على تلاميذ السنة الأولى بكالوريا، وأنا أكاد أجزم أن كلمة “العزوف” ذاتها لم تطرق آذانهم يوماً في لغة الضاد العريقة.. فكيف إذا ارتدت عباءة السياسة وخرجت في هذا الثوب المركّب الثقيل؟
السؤال أخطأ عنوانه، لأن هؤلاء التلاميذ يعيشون في مجتمع لا يمنحهم فرصة لمسّ معنى السياسة، ناهيك عن فهمه.. يحفظون أسماء لاعبي الكرة والمطربين عن ظهر قلب، أما السياسيون فغرباء عنهم.. ولا غرابة، إذ لا نعرفهم حتى نحن، نحن الذين نجالسهم كلّ اثنين داخل قبة البرلمان.. والسبب أبسط من أن يُشرح: هؤلاء لا يخرجون من صناديق الاقتراع، بل يولدون في مكاتب المقاولات.
كان الأجدر أن يُطرح هذا السؤال علينا نحن البرلمانيين، في نهاية ولايتنا التشريعية، وأن يأتي وزير التربية الوطنية بآلياته العجيبة وكاشفاته الإلكترونية ليحرسنا من غشٍّ مفترض، غشٍّ ألفه بعضنا حتى صار ضرباً من الفن وأسلوبا في الحياة.. عندئذٍ فقط كنّا سنجيب بصدق: لماذا العزوف؟ وما حجم دمنا فيه؟ وأين تنتهي مسؤولياتنا وتبدأ مسؤوليات غيرنا؟
والأكيد أن الإجابات كانت ستتباين تبايناً مبهراً، لأن منّا من يحارب العزوف بالأوراق الزرقاء الملفوفة على وعود جميلة، تلك الأوراق التي تُخرج العازفين من عزلتهم وتفتح شهيتهم للصناديق، دون حاجة إلى خطاب أو فصاحة أو برنامج.
والمفارقة المضحكة، بالمعنى الذي يجعل الضحك مرّاً في الحلق، أن سؤال العزوف هذا ينبغي ربطه هذا العام بنقاش عيد الأضحى، لأن الخروف رفع السقف عالياً حتى بات صوته أثقل من صوت الناخب..
بلغ ثمن الخروف الكبير سبعة آلاف درهم، والصغير منه لا يُساوم دون ثلاثة آلاف.. وبعضها ارتدى لباس الكبرياء واختفى نهائياً، فصار طلبه رحلةً في المجهول، لك أن تعثر عليه أو لا تعثر..
مقارنةٌ محرجة، نعم، بل مقارنة لا ينبغي أن تستقيم لأن الإنسان يملك عقلاً وكرامة.. لكنها استقامت رغم أنفنا، واستوت على عرشها بكل وقاحة.
ذلك المواطن الذي يُراد منه أن يصوّت، خرج من العيد بلا أضحية في مغرب المخطط الأخضر وأموال الاستيراد، تلك الأموال التي عجز كلا المجلسين حتى عن تشكيل لجنة تقصٍ لمعرفة أين ذهبت..
ويدخل الآن صيفاً قائظاً لا يبحث فيه عن بحر أو مسبح أو سياحة داخلية، بل عن ظلٍّ فقط، مجرد ظل يقيه لهيب الشمس ولهيب الأسئلة.. ثم يأتيه الدخول المدرسي بكل ثقله وجحيمه، وهذه وحدها قصة تختصر المأساة من ألفها إلى يائها، وتغني عن كل تعليق.
ومع ذلك كله، في أواخر شتنبر، سنأتي إليه نحن لنقول له بابتسامة واسعة: تعالَ صوّت علينا.. فبأيّ وجه سنقول ذلك؟.. وبأيّ خطاب؟.. بل بأيّ شِعر يتحمّل هذه الجرأة؟
سؤال العزوف السياسي لا يليق بقاعة دراسية بلا ذاكرة سياسية، بل يليق بقاعة البرلمان، ويستحق نقاشاً مجتمعياً حقيقياً، لأنه يطرح إشكالية كبرى في سياق كل ما فيه يبعث على الملل والإحباط.. المواطن تتقاذفه همومٌ أعظم من أن يجد بين ثناياها متّسعاً للتساؤل عمّن سيدخل برلماناً بصم على ولاية ميتة..
وكما صاغها محمد برادة في عنوانه الرائع “مثل صيف لن يتكرر”، وما أشبه اللحظتين في ثقلهما وحسرتهما.
في النهاية، ننتظر أن يُطرح علينا السؤال كتابةً بحراسة مشددة وآلات كاشفة للغش، لعلّنا نفهم الوصفة ونقدّمها للتلاميذ علّهم يبنون بها مستقبلاً أجمل لهذا الوطن.. أما نحن، فقد “بان العربون” منذ زمن، ولا داعي للدخول في تفاصيل قد لا تُسعد أحداً.
د.عبد الرحيم بوعيدة





