القدرة الشرائية بين استقرار التضخم وضغوط المعيشة

فاطمة الزهراء ايت ناصر

رغم أن المؤشرات الرسم واضحا في وتيرة ارتفاع الأسعار داخل الاقتصاد المغربي، إلا أن النقاش حول القدرة الشرائية للأسر لا يزال يحتل صدارة الاهتمام العمومي، في ظل شعور واسع بأن كلفة المعيشة لم تنخفض بالوتيرة نفسها التي تُظهرها الأرقام.

فحسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط، في شهر يناير الماضي، سجل معدل التضخم في المغرب تراجعاً مهماً خلال الفترة الأخيرة، ليستقر في حدود 0,9% سنة 2024 بعد أن كان في حدود 6,1% سنة 2023، وهو تحول يعكس انتقال الاقتصاد من مرحلة ارتفاع حاد في الأسعار إلى مرحلة تهدئة نسبية في وتيرة التضخم.

كما تشير التقديرات نفسها إلى أن هذا المستوى استمر في حدود 0,8% خلال سنة 2025، ما يؤكد استمرار الاستقرار النسبي في المؤشر العام لأسعار الاستهلاك.

غير أن هذا الهدوء الرقمي لا ينعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطنين، فالتفاصيل الدقيقة لسلة الاستهلاك تكشف أن بعض المواد الأكثر حضورا في الإنفاق اليومي، خصوصا المواد الغذائية الطازجة مثل الخضر والفواكه واللحوم، إضافة إلى خدمات النقل والمطاعم، تعرف تذبذبا مستمرا في الأسعار، وهو ما يجعل الإحساس بالغلاء قائماً رغم انخفاض المعدل العام للتضخم.

ويرى مراقبون أن هذا التباين بين المؤشر العام والواقع المعيشي يعيد طرح سؤال جوهري حول طبيعة قياس القدرة الشرائية، إذ إن انخفاض التضخم لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار، بل يعني فقط تباطؤ وتيرة ارتفاعها.

بمعنى آخر، تظل الأسعار عند مستويات مرتفعة نسبيا مقارنة بسنوات سابقة، وهو ما يفسر استمرار الضغط على ميزانيات الأسر، خاصة الفئات المتوسطة وذات الدخل المحدود.

في المقابل، يشير بنك المغرب إلى أن هذا الاستقرار مرشح للاستمرار خلال المرحلة المقبلة، مع توقعات تدور في حدود حوالي 1% كمعدل تضخم، غير أن هذه التوقعات تبقى مرتبطة بعوامل خارجية، من بينها الوضع الفلاحي المتأثر بتقلبات المناخ، وأسعار الطاقة في السوق الدولية، إضافة إلى الضغوط الجيوسياسية العالمية التي تنعكس بشكل غير مباشر على كلفة الاستيراد.

على المستوى الاجتماعي، يبرز تأثير هذا الوضع بشكل أوضح لدى الأسر التي تعتمد بشكل كبير على المواد الأساسية في استهلاكها اليومي، فحتى زيادات طفيفة في أسعار الغذاء أو النقل تترجم سريعا إلى ضغط مباشر على القدرة الشرائية، في وقت لا تشهد فيه الأجور نفس الوتيرة من التكيف مع هذه التحولات.

وبينما تقدم المؤشرات الرسمية صورة توحي بالاستقرار النقدي، يكشف الواقع اليومي عن مفارقة واضحة؛ اقتصاد ينجح في كبح جماح التضخم رقميا، لكن دون أن ينجح بشكل كامل في إعادة التوازن إلى الإحساس المعيشي للمواطن.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى