عبد الله الفركي ل ” إعلام تيفي “: المقاولات الصغيرة جداً تعيش أزمة غير مسبوقة… وإنقاذها أصبح ضرورة اقتصادية واجتماعية ( حوار )

مديحة المهادنة : صحافية متدربة

حوار_في وقت تتزايد فيه الضغوط على النسيج المقاولاتي الوطني، تعود المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة إلى واجهة النقاش الاقتصادي، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لخلق فرص الشغل وتحريك الدورة الاقتصادية محلياً. غير أن هذه الفئة، التي تشكل النسبة الأكبر من المقاولات بالمغرب، تجد نفسها أمام تحديات متراكمة، من صعوبة الولوج إلى التمويل، وتأخر آجال الأداء، وارتفاع الأعباء، وضعف الولوج إلى الصفقات العمومية، وصولاً إلى إغلاق آلاف المقاولات خلال السنوات الأخيرة.

في حوار مع “إعلام تيفي“، قدم السيد عبد الله الفركي، رئيس الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة، قراءة في واقع هذه المقاولات، ويشرح أسباب وصفها بـ“المحرك المعطوب” للاقتصاد الوطني، كما يقترح مداخل استعجالية لحمايتها من النزيف وضمان استمراريتها.

وصفتم المقاولات الصغيرة جدا بـ“المحرك المعطوب” للاقتصاد المغربي، ما أبرز المؤشرات التي دفعتكم إلى إطلاق هذا الوصف؟

هذا الوصف لم يكن مبالغة، بل هو توصيف لواقع تؤكده الأرقام والدراسة الأخيرة التي أنجزتها الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة، والتي تم نشرها في مارس 2026.

فالمقاولات الصغيرة تمثل أكثر من 98 في المائة من مجموع المقاولات بالمغرب، حسب المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لسنة 2025، وتشغل ملايين المغاربة، وتساهم بشكل أساسي في خلق فرص الشغل وتحريك الاقتصاد المحلي. لكنها، في المقابل، تعيش أزمة غير مسبوقة نتيجة تراجع رقم المعاملات، وصعوبة الولوج إلى التمويل، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتأخر الأداء، وضعف الولوج إلى الصفقات العمومية، إضافة إلى الضغط الجبائي والاجتماعي.

المحرك موجود، لكنه لا يشتغل بكفاءته بسبب تراكم الإكراهات، لذلك وصفناه بـ“المحرك المعطوب”، لأنه يحتاج إلى إصلاح حقيقي بدل حلول ظرفية. كما أن السياسات الحكومية لا تتعامل مع هذا الملف بالجدية المطلوبة في تطوير برامجها، بل تركز غالباً على الشعارات، وهو ما يجعل هذه الفئات أكثر عرضة للأزمات والواقع الصعب الذي تعيشه.

تتحدثون عن اختفاء نحو 150 ألف مقاولة خلال أربع سنوات، 99 في المائة منها مقاولات صغيرة جداً؛ من يتحمل المسؤولية الأساسية عن هذا النزيف؟

المسؤولية مشتركة، لكنها تقع بالدرجة الأولى على السياسات العمومية التي لم تجعل من المقاولات الصغيرة جداً أولوية حقيقية. فمن غير المقبول أن تشكل هذه المقاولات العمود الفقري للاقتصاد، ثم تبقى خارج دائرة التمويل والدعم والصفقات العمومية وبرامج المواكبة، بل وترتفع قيمة الضرائب المفروضة عليها.

كما أن غياب التنسيق بين مختلف المتدخلين، وعدم تقييم نتائج البرامج السابقة، واستمرار نفس الاختلالات، كلها عوامل ساهمت في هذا النزيف.

نحن لا نبحث عن تحميل المسؤولية لطرف معين بقدر ما ندعو إلى مراجعة شاملة للسياسات الاقتصادية المتعلقة بالمقاولات الصغيرة جداً، لأنها أصبحت قضية وطنية تتطلب قرارات جريئة.

لماذا تفشل 70 في المائة من المقاولات الصغيرة جدا في تجاوز السنوات الخمس الأولى من عمرها؟ هل الخلل في المقاول أم في البيئة الاقتصادية المحيطة به؟

ليس من العدل تحميل المقاول وحده مسؤولية الفشل. صحيح أن بعض المقاولين يحتاجون إلى مزيد من التكوين والتوجيه، لكن السبب الرئيسي يظل هو البيئة الاقتصادية غير الملائمة.

فالمقاول الصغير يبدأ نشاطه برأسمال محدود، ليجد نفسه أمام صعوبات في التمويل بسبب عدم مواكبة البنوك للمقاولات الصغيرة، إضافة إلى التعقيدات الإدارية، وانعدام الولوج إلى الصفقات العمومية والخاصة، وتأخر مستحقاته، ومنافسة غير متكافئة مع الشركات الكبرى والقطاع غير المهيكل، فضلاً عن ارتفاع الأعباء وضعف الدعم.

لذلك، فإن نسبة كبيرة من حالات الفشل تعكس اختلالات في المنظومة الاقتصادية أكثر مما تعكس ضعف قدرات المقاولين. والسؤال المطروح هو: لماذا ينجح عدد من المقاولين الذين يفشلون في المغرب عندما يشتغلون في دول أخرى بأوروبا وإفريقيا وآسيا وأمريكا؟

الجواب أن هذه البلدان توفر الحد الأدنى من المنظومة الاقتصادية الملائمة. وقد عايشت العديد من التجارب في هذا المجال خلال العقود الثلاثة الماضية، حيث واكبت مقاولين شباباً في التسعينيات، ومقاولات صغيرة خلال السنوات الأخيرة.

كيف تفسرون حصول أقل من 5 في المائة من هذه المقاولات على التمويل البنكي، رغم أنها تمثل أكثر من 98 في المائة من النسيج المقاولاتي؟

منظومة التمويل في المغرب ما تزال تعتمد على معايير لا تتناسب مع واقع المقاولات الصغرى. فالبنوك التجارية تشترط ضمانات وإثباتات مالية وعقارية تتجاوز بكثير قيمة القروض المطلوبة، وهو ما يصعب على معظم هذه المقاولات توفيره، ويجعلها مستبعدة فعلياً من الحصول على التمويل.

لهذا نطالب بإنشاء منظومة تمويل خاصة بالمقاولات الصغيرة جداً، تتضمن بنكاً عمومياً على غرار ما اعتمدته بعض الدول التي ترغب في تعزيز مقاوالتها الصغيرة كرافعة اقتصادية قوية، ومن بينها فرنسا التي أنشأت بنكاً عمومياً يهتم بتلبية احتياجات المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة، وهو بنك BpiFrance.

هذا النوع من المؤسسات يعتمد في التمويل على تقييم جدوى المشاريع وإمكانات المقاولة، وليس فقط على الضمانات التقليدية، مع تطوير أدوات التمويل الصغيرة، وتعزيز دور مؤسسات الضمان، وإطلاق منتجات بنكية تتناسب مع خصوصيات هذه الفئة، وتقوم بدور مواكبة فعلي، لا بمجرد رفع الشعارات كما يحدث حالياً في المغرب.

تأخر الأداء يعد من أكبر أسباب إفلاس المقاولات؛ ما الإجراءات العاجلة التي تطالبون بها لحماية المقاولات الصغيرة جداً من هذه الأزمة؟

تأخر الأداء يعتبر من أبرز أسباب إفلاس المقاولات الصغرى، إذ يساهم في إفلاس أكثر من 40 في المائة منها، ويحرمها من السيولة الضرورية لاستمرار نشاطها.

لذلك نطالب باتخاذ إجراءات عاجلة، في مقدمتها التطبيق الصارم للقوانين المتعلقة بآجال الأداء دون استثناءات، ووقف التحايل والضغط على المقاولات الصغرى، باعتبارها الحلقة الأضعف، سواء من طرف بعض المقاولات الكبرى أو المؤسسات الحكومية، عبر تغيير تواريخ الفواتير أو تواريخ الاستلام أو غيرها من المساطر الإدارية.

كما نطالب بإشراك الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة في مرصد آجال الأداء، إلى جانب ممثلي المقاولات الكبرى، وفرض غرامات تلقائية على الجهات المتأخرة في الأداء، وإلزام الإدارات والمؤسسات العامة والخاصة بدفع مستحقات المقاولات داخل الآجال القانونية.

ومن بين الإجراءات الضرورية أيضاً، إحداث آلية وطنية سريعة لتسوية النزاعات المرتبطة بتأخر الأداء، وتوفير حلول تمويل مؤقتة للمقاولات الصغرى، مثل تمويل الفواتير إلى حين استخلاص المستحقات، وهي الآلية المعروفة بـ“الفاكتورينغ”.

وقد سبق للكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة أن تقدمت بهذا المطلب في إطار مشروعي قانون المالية لسنتي 2018 و2019، غير أن وزير المالية آنذاك، محمد بنشعبون، لم يوافق عليه.

إن إنقاذ المقاولات الصغيرة جدا لم يعد مطلبا فئوياً، بل أصبح ضرورة اقتصادية واجتماعية. فاستمرار اختفاء آلاف المقاولات، بمعدل مقاولة صغيرة كل عشر دقائق، يهدد بفقدان آلاف فرص العمل، ويؤدي إلى تراجع الاستثمار، كما يضعف الاقتصاد الوطني بشكل عام، بالنظر إلى أن 98 في المائة من النسيج الاقتصادي المغربي يتكون من هذه المقاولات الصغرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى