الاستحقاقات المقبلة وأزمة الثقة.. هل تُرمم الصناديق ما أفسدته السياسة؟

بشرى عطوشي

رأي_ تدق أجراس الاستحقاقات الانتخابية المقبلة لتضع البلاد والعباد أمام محطة سياسية فارقة، محطة لا تقاس أهميتها بحجم الحشود في المهرجانات الخطابية، ولا بعدد الملصقات التي ستؤثث الشوارع، بل بحجم التساؤلات الحارقة التي تختلج صدر المواطن. وفي مقدمة هذه التساؤلات: أي جدوى لورقة التصويت في ظل هوة سحيقة تفصل بين المواطن وصناديق الاقتراع؟

مؤخرا كشف تقرير استشرافي أصدره المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة تحت عنوان “المشهد الحزبي والسياسي في المغرب في أفق 2035″، أن أكبر كتلة سياسية في المغرب ليست حزبا أو تحالفا انتخابيا، وإنما المواطنين الذين يختارون عدم المشاركة في الانتخابات، بعدما بلغ عدد المؤهلين للتصويت الذين لم يشاركوا في انتخابات سنة 2021 أكثر من 16.4 مليون شخص، أي ما يعادل 65.1 في المائة من مجموع المواطنين في سن التصويت، وهو ما يجعل ما وصفه التقرير بـ”الفئة الصامتة” القوة الأولى داخل المشهد السياسي المغربي.

إن المشهد السياسي الحالي لا يمكن قراءته بمعزل عن تراكمات الأمس؛ فالعزوف الانتخابي المتوقع وغياب الثقة الذي يبديه الشارع تجاه الأحزاب السياسية ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج طبيعي لتعاقب حكومات رفعت شعارات براقة دون رصيد حقيقي على أرض الواقع.

لقد تسابقت البرامج الحكومية في السنوات الأخيرة على تسويق مفهوم “الدولة الاجتماعية” كأولوية قصوى. تآكلت جيوب الطبقة الوسطى، وتعمق تهميش الفئات الهشة، ليبقى مفهوم الدولة الاجتماعية مجرد “شعار انتخابي” مؤجل، أو حبر على ورق في تقارير وزارية لا تسمن ولا تغني من جوع.

هذا الفشل المتكرر في مأسسة عدالة اجتماعية حقيقية _تضمن صحة لائقة، وتعليماً منصفاً، وفرص شغل تحفظ الكرامة – ولّد لدى المواطن قناعة سوداوية مفادها أن الأحزاب، أغلبية ومعارضة، لا تتحرك إلا في مواسم “التباري على المقاعد”، وأن الوعود تنتهي صلاحيتها بمجرد إعلان نتائج الفرز.

إن الاستحقاقات المقبلة ليست مجرد إجراء تقني لتجديد النخب، بل هي امتحان عسير للمصداقية. وإذا كانت الأحزاب السياسية ترغب حقاً في ترميم هذه الثقة المفقودة، فعليها أن تدرك أن “المواطن ذكي ولم يعد يلدغ من جحر الوعود مرتين”.

لقد حان الوقت لإنهاء زمن “السياسة من أجل السياسة”، والعبور نحو سياسة الإنجاز الفعلي، إن بناء الدولة الاجتماعية ليس ترفاً فكرياً ولا تكتيكاً مرحلياً، بل هو صمام أمان لاستقرار الوطن وتحصين مساره الديمقراطي. والكرة الآن في مرمى الأحزاب لتثبت، بالأفعال لا بالشعارات، أنها تستحق فعلاً صوت المواطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى