27 عاما من البناء.. رؤية ملكية تقود نهضة البنيات التحتية وترسخ صعود المغرب

أميمة حدري
لم يكن تطوير البنيات التحتية في المغرب خلال السنوات السبع والعشرين الماضية مجرد برنامج لتشييد الطرق أو توسيع الموانئ وإنجاز المشاريع الكبرى، بل تحول إلى خيار استراتيجي قادته رؤية ملكية جعلت من تحديث التجهيزات الأساسية مدخلا لإعادة تشكيل النموذج التنموي للمملكة، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، وترسيخ مكانة المغرب كمنصة إقليمية للاستثمار والتجارة والربط بين إفريقيا وأوروبا.
ومنذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999، انخرطت المملكة في ورش غير مسبوق لتحديث بنياتها التحتية، عبر إطلاق مشاريع مهيكلة غيرت ملامح المشهد الاقتصادي والعمراني، ورسخت أسس تنمية تقوم على الاندماج المجالي، وتحسين الربط بين الجهات، ورفع جاذبية المملكة للاستثمارات.
وتقوم هذه الرؤية على اعتبار البنيات التحتية رافعة أساسية للنمو، وعاملا حاسما في تقليص الفوارق المجالية، وتحسين تنافسية الاقتصاد الوطني.
لذلك شهد المغرب خلال العقدين الماضيين تعبئة استثمارات ضخمة لإنجاز شبكة متطورة من الطرق السيارة، والطرق السريعة، والموانئ، والمطارات، والسكك الحديدية، إلى جانب مشاريع كبرى في مجالات الماء والطاقة واللوجستيك، بما مكن المملكة من تحقيق قفزة نوعية في مؤشرات التجهيزات الأساسية مقارنة بما كانت عليه نهاية تسعينيات القرن الماضي.
وتبرز شبكة الطرق السيارة باعتبارها أحد أبرز مظاهر هذا التحول، بعدما ارتفع طولها من أقل من 400 كيلومتر سنة 1999 إلى ما يقارب 1800 كيلومتر حاليا، لتربط أهم الأقطاب الاقتصادية والصناعية والسياحية بالمملكة، فيما تجاوز طول الطرق السريعة 2200 كيلومتر، الأمر الذي ساهم في تقليص مدة التنقل، وتحسين انسيابية حركة الأشخاص والبضائع، وتعزيز الربط بين مختلف الجهات، خاصة مع استمرار إنجاز مشاريع جديدة في إطار الاستراتيجية الوطنية للبنيات التحتية.
وفي القطاع المينائي، شكل إطلاق مشروع ميناء طنجة المتوسط نقطة تحول مفصلية في مسار التنمية الاقتصادية للمغرب. فمنذ تدشين مرحلته الأولى، تحول المركب المينائي إلى أكبر ميناء في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا من حيث طاقة مناولة الحاويات، بعدما بلغت قدرته الاستيعابية أكثر من 9 ملايين حاوية سنويا.
وخلال سنة 2025، سجل الميناء معالجة ما يزيد على 10 ملايين حاوية، معززا مكانته ضمن أبرز الموانئ العالمية، ومحولا المغرب إلى منصة لوجستية تربط أكثر من 180 ميناء عبر العالم، كما ساهم في استقطاب استثمارات صناعية كبرى في قطاعات السيارات والطيران والصناعات التصديرية.
ولم تتوقف دينامية التحديث عند ميناء طنجة المتوسط، بل امتدت إلى إطلاق مشاريع مينائية جديدة، من أبرزها ميناء الناظور غرب المتوسط، الذي ينتظر أن يشكل قطبا اقتصاديا ولوجستيا جديدا على الواجهة المتوسطية، إلى جانب مواصلة تطوير موانئ الداخلة الأطلسي وآسفي والجرف الأصفر، بما يعزز تموقع المملكة كمحور للتجارة البحرية الدولية، ويواكب الطموح الملكي الرامي إلى جعل الواجهة الأطلسية بوابة للتكامل الاقتصادي مع القارة الإفريقية.
وفي مجال النقل السككي، دخل المغرب مرحلة جديدة مع إطلاق أول خط للقطار فائق السرعة في إفريقيا، الرابط بين طنجة والقنيطرة، والذي اختصر مدة السفر بين المدينتين إلى نحو ساعتين وعشر دقائق، كما وفر خدمات نقل حديثة عززت جاذبية النقل السككي.
وتواصل المملكة حاليا تنفيذ مشروع تمديد الخط فائق السرعة نحو مراكش، في إطار رؤية تروم توسيع شبكة النقل الحديثة وربط أهم الأقطاب الاقتصادية والسياحية، استعدادا أيضا للاستحقاقات الدولية التي ستحتضنها المملكة، وفي مقدمتها كأس العالم 2030.
وشملت النهضة أيضا قطاع النقل الجوي، حيث شهدت المطارات المغربية عمليات توسعة وتحديث متواصلة رفعت طاقتها الاستيعابية بشكل ملحوظ، بالتوازي مع النمو المتسارع لحركة النقل الجوي، فيما عزز المكتب الوطني للمطارات استثماراته لمواكبة الارتفاع المتواصل في عدد المسافرين، خاصة مع الطموحات السياحية والاقتصادية التي تراهن عليها المملكة خلال السنوات المقبلة.
وفي المقابل، أولت الرؤية الملكية أهمية خاصة للبنيات التحتية المائية، في ظل التحديات المناخية التي تواجه المغرب. فأطلقت المملكة برنامجا وطنيا ضخماً لتشييد السدود، وتسريع إنجاز محطات تحلية مياه البحر، والربط بين الأحواض المائية، بما يعزز الأمن المائي ويؤمن التزود بالماء الصالح للشرب ومياه السقي، في وقت أصبحت فيه ندرة المياه أحد أبرز التحديات التي تواجه المنطقة.
كما واكب هذا التحول تطوير البنيات التحتية الطاقية، من خلال الاستثمار في مشاريع الطاقات المتجددة، وتوسيع الشبكة الكهربائية الوطنية، وإطلاق مشاريع استراتيجية في مجالات الهيدروجين الأخضر والغاز الطبيعي، بما جعل المغرب من الدول الرائدة إقليميا في الانتقال الطاقي، ومكنه من تعزيز أمنه الطاقي واستقطاب استثمارات صناعية جديدة تعتمد على الطاقة النظيفة.
ولم تكن هذه الأوراش معزولة عن التحولات الاقتصادية التي عرفتها المملكة، بل شكلت ركيزة أساسية في استقطاب كبريات الشركات العالمية، خاصة في قطاعات صناعة السيارات والطيران واللوجستيك، حيث ساهمت البنيات التحتية الحديثة في تعزيز تنافسية المغرب داخل سلاسل الإنتاج العالمية، وتحويله إلى قاعدة صناعية وتصديرية موجهة نحو الأسواق الأوروبية والإفريقية.
وتتجاوز آثار هذه المشاريع بعدها الاقتصادي، إذ أسهمت في تحسين جودة الخدمات العمومية، وتقريب المرافق الأساسية من المواطنين، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز الاندماج بين مختلف جهات المملكة، في انسجام مع التوجيهات الملكية التي جعلت من العدالة المجالية والتنمية المتوازنة ركيزة أساسية للنموذج التنموي.





