بوشيبة لـ”إعلام تيفي” : مشاهد الهجرة جرس إنذار للدولة والمجتمع .. منع العبور وحده لا يعالج أزمة الشباب والأطفال

مديحة المهادنة

خبر_أعاد توالي محاولات الهجرة غير النظامية في محيط سبتة ومليلية المحتلتين إلى الواجهة سؤالا يتجاوز تدبير الحدود ومنع العبور، ليضع السياسات الاجتماعية وحماية الطفولة وقدرة المؤسسات على استباق الظاهرة أمام اختبار حقيقي، خصوصا مع حضور القاصرين والشباب بقوة ضمن المرشحين لهذه المغامرات المحفوفة بالمخاطر.

في تصريح لـ”إعلام تيفي“، اعتبر محمد الطيب بوشيبة، الباحث في مجال الطفولة والمنسق الوطني لمنظمة “ما تقيش ولدي”، أن ما شهدته المناطق الحدودية خلال الأسابيع الأخيرة، وخاصة أحداث أواخر يوليوز واستمرار محاولات العبور خلال غشت، لا ينبغي اختزاله في كونه ملفا أمنيا، بل التعامل معه باعتباره مؤشرا على أزمة ذات أبعاد اجتماعية وإنسانية وتربوية ونفسية.

وقال بوشيبة إن مشاهد أطفال ويافعين وشباب، بل وأسر وكبار سن، يتجهون نحو الحدود بحثا عن فرصة للعبور، تستدعي التوقف عند الأسباب التي تدفع فئات مختلفة إلى المخاطرة بسلامتها وحياتها. وأضاف أن سقوط ضحايا أو تسجيل مفقودين في سياق هذه المحاولات يفرض، إلى جانب كشف المعطيات الدقيقة بشأنهم، حضوراً مؤسساتياً وإنسانياً يواكب الأسر ويضع حماية الأرواح في صدارة الأولويات.

ودعا المتحدث إلى الانتقال من تدبير أمني للظاهرة إلى استنفار اجتماعي ومؤسساتي منسق، يجمع القطاعات الحكومية المعنية بالداخلية والصحة والتربية والتضامن والشباب والعدل، إلى جانب المؤسسات المختصة بحماية الطفولة والخبراء في علم النفس والاجتماع، بهدف فهم دوافع الظاهرة ووضع آليات عملية للوقاية منها.

وفي هذا السياق، شدد بوشيبة على ضرورة توفير فضاءات مؤقتة ومنظمة لاستقبال العائدين من محاولات العبور، خاصة القاصرين، بما يضمن لهم الغذاء والرعاية الصحية والمواكبة النفسية والاجتماعية، مع إحداث فضاءات خاصة بالأطفال والاستعانة بمرشدين وأخصائيين قادرين على الاستماع إليهم وفهم الظروف التي دفعتهم إلى المخاطرة.

وأكد أن “الطفل الذي يقطع مسافات طويلة ويعرض نفسه للغرق أو الإصابة أو الموت لا يحتاج فقط إلى من يمنعه من العبور، بل إلى من يستمع إليه ويفهم لماذا وصل إلى تلك المرحلة”، معتبرا أن الدوريات الأمنية، رغم ضرورتها في حماية الحدود والأرواح والتصدي لشبكات التهريب، لا تستطيع وحدها الإجابة عن جذور الظاهرة.

كما حمل الباحث المجتمع المدني جزءا من مسؤولية المواكبة، متسائلا عن مدى الحضور الميداني للجمعيات المتخصصة في الطفولة والهجرة وحقوق الإنسان خلال الأزمات المرتبطة بمحاولات العبور. واعتبر أن إصدار البيانات والمواقف لا يعوض التدخل المباشر لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي ومرافقة الأطفال والأسر المتضررة.

ولم يستثن بوشيبة الإعلام من المعادلة، إذ اعتبر أن الصحافة المهنية يمكن أن تتحول إلى شريك في الوقاية بدل الاقتصار على نقل مشاهد الازدحام ومحاولات العبور، من خلال تفكيك خطاب التحريض المنتشر عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وتوضيح مخاطر الهجرة غير النظامية، وفتح المجال أمام الخبراء والشباب والأسر. غير أنه ربط نجاح هذا الدور بتوفير المؤسسات للمعلومات الدقيقة والشفافة، حتى لا تملأ الشائعات والمحتويات المضللة فراغ المعلومة.

وبالنسبة لبوشيبة، فإن تكرار موجات ومحاولات الهجرة يطرح سؤالا حول جدوى الاكتفاء بالتدخل بعد وصول الشباب والقاصرين إلى الحدود، داعيا إلى بناء منظومة استباقية للإنذار والتدخل المبكر ترصد المؤشرات الاجتماعية والنفسية التي قد تسبق موجات الهجرة الجماعية، وتتحرك قبل أن تتحول الرغبة في المغادرة إلى مخاطرة بالحياة.

ويرى الباحث أن جوهر المواجهة يبدأ قبل الحدود؛ من المدرسة وفرص التكوين والشغل ومحاربة الهشاشة والتهميش واستعادة ثقة الشباب في المستقبل. وقال إن مطالبة الشاب بالبقاء لا يمكن أن تنفصل عن السؤال حول البديل الذي يقدم له، كما أن إعادة طفل إلى المدرسة تظل غير كافية إذا لم تكن المدرسة نفسها قادرة على منحه الإحساس بالأمل والانتماء.

ودعا بوشيبة، في هذا الإطار، إلى خطة وطنية شاملة تقوم على حماية الأرواح، وإعطاء الأولوية للأطفال والقاصرين، وتوفير المواكبة النفسية والاجتماعية والتربوية للعائدين، وإشراك الإعلام والمجتمع المدني والخبراء في الوقاية، بالتوازي مع فتح نقاش مؤسساتي حول الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والنفسية العميقة التي تغذي الهجرة الجماعية.

وخلص المتحدث إلى أن سبتة ومليلية المحتلتين تمثلان واجهة للأزمة وليستا جوهرها، معتبرا أن أخطر ما تكشفه هذه المشاهد هو اقتناع بعض الأطفال والشباب بأن مستقبلهم يبدأ بمجرد الوصول إلى الجانب الآخر من الحدود.

“السؤال الحقيقي ليس فقط: كيف نمنعهم من الوصول إلى سبتة ومليلية؟ بل لماذا أصبحوا يريدون الوصول إليهما أصلا؟”، يقول بوشيبة، معتبرا أن الإجابة عن هذا السؤال هي المدخل الأساسي للانتقال من إدارة موجات الهجرة عند الحدود إلى معالجة أسبابها داخل المجتمع .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى