منظومة “الكابلاج” في طنجة.. حين تسقط “الحوافز المالية” أمام بحث الشباب عن العمل اللائق

زكرياء الروضي
تعيش القلعة الصناعية لمدينة طنجة على وقع مفارقة اقتصادية واجتماعية ملفتة، ففي الوقت الذي تتصاعد فيه عروض التوظيف وتضخ فيه المغريات المالية الاستثنائية لاستقطاب اليد العاملة في قطاع صناعة أسلاك السيارات “الكابلاج”، تتواصل ظاهرة نزيف العمالة وعزوف الشباب عن الاستمرار داخل هذه الوحدات.
إن اللجوء إلى رفع قيمة التعويضات عن الساعات الإضافية لتصل إلى ألف درهم لليوم، أو تقديم “مكافأة استقطاب” لمن يجلب عاملا جديدا، ليس سوى مسكنات موقتة لأزمة هيكلية أعمق بكثير من مجرد معادلة “عرض وطلب” بسيطة.
إن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه اليوم ليس “كيف نجد عمالا جددا؟”، بل لماذا يهرب الشباب من قطاع يمثل إحدى أهم دعامات الصناعة الوطنية؟.
بيئة العمل المعيارية وضغط “التكتيك الصارم”
يقوم نموذج التجميع في صناعة “الكابلاج” على معايير إنتاجية صارمة وسريعة جدا. يطالب العامل بقضاء ساعات طويلة واقفا أمام خطوط التجميع، تحت مراقبة دقيقة ومؤشرات أداء لا ترحم، حيث يحسب الوقت بالثواني والخطأ بحساب الرفض الفوري.
وهذا النمط المكثف يخلق إنهاكا جسديا ونفسيا متراصا، يجعل العائد المالي مهما ارتفع بالمنح والمكافآت غير متكافئ مع الحجم الهائل للضغط والجهد البدني المبذول.
تحول وعي من الراتب بأي ثمن إلى العمل بكرامة
لم يعد شباب اليوم، ولا سيما أبناء المناطق الحضرية والمتعلمين، ينظرون إلى الوظيفة كأداة للبقاء المجرد. لقد حدث تحول نوعي في “سيكولوجية الشغل” لدى الجيل الجديد، إذ يرفض العمال الجدد أساليب التدبير التي تعتمد على الترهيب أو التضييق على الحقوق الأساسية (كأوقات الراحة، أو الإجازات المرضية، أو المعاملة الإنسانية داخل المصنع).
إضافة إلى ذلك غياب مرونة التواصل بين الإدارة الوسطى والعمال يخلق شعورا بالشيئية (التعامل مع العامل كقطعة غيار داخل الآلة)، وهو ما يتناقض مع تطلع الشاب ليكون مقدّراً داخل بيئة عمله.
أفق الارتقاء المهني المفقود وعقود “الاستنزاف”
تتميز غالبية عروض التوظيف في هذا القطاع بكونها عقودا محدودة المدة (CDD) أو عبر شركات الوساطة (أنابيك) وغيرها، وهي صيغ تكرس عدم الاستقرار الوظيفي.
بالإضافة إلى ذلك، يفتقر هذا القطاع لتشجيع النمو المهني؛ فالعامل الذي يقضي سنوات في تجميع السلك نفسه يجد أن خبرته المكتسبة محصورة جداً ولا تفتح له آفاقاً للتطور الوظيفي أو الترقية نحو مناصب إدارية أو تقنية أعلى.
ورغم أن المنح المضافة تبدو مشجعة للوهلة الأولى، لكن بالنظر إلى الواقع الميداني في طنجة، فإن ساعات التنقل الطويلة بين المقر والمناطق الصناعية المترامية، إلى جانب اضطراب ساعات النوم بسبب نظام “الوردانيات”، تأكل جزءاً كبيراً من الجهد والوقت الشخصي للعامل، مما يجعل جودة حياته الاجتماعية والصحية في تراجع مستمر.
إضراب صامت ورفض تلقائي رسائل لمن يهمه الأمر
إن ما تشهده مصانع “الكابلاج” في طنجة ليس عجزاً في اليد العاملة بقدر ما هو “إضراب صامت” ورفض تلقائي لنموذج عمل استنزافي، ولقد أثبتت التجربة أن الحلول المالية السريعة هي آليات لترقيع الشقوق، لكنها لن تقي البناء من الانهيار إذا لم ترافقها ثورة حقيقية في إدارة الموارد البشرية.
ولتقليص الهوة في هذا الشأن يجب إعادة النظر في شدة ضغط خطوط الإنتاج وتقديم ساعات راحة وفواصل زمنية معقولة، كذلك توفير برامج تكوين حقيقية تضمن الترقية الداخلية وتجعل من العامل شريكاً في النجاح وليس مجرد كلفة إنتاجية، زد على ذلك الحد من الاعتماد المفرط على العقود الهشة والانتقال نحو الاستقرار المهني الذي يضمن التزام العامل على المدى الطويل.
ختاما إن الشاباب المغربي اليوم أظهر وعياً بليغا في التعبير عن حقه في الكرامة وظروف العمل الإنسانية بطريقة خاصة نحو الهروب الصامت من مثل هذه الأشغال التي تستنزفه من كل الجوانب، ليقول بشكل مجازي صامت أن العمل بكرامة شرط أساسي لا بديل عنه لقبول أي عرض شغل.





