أزمة اليد العاملة في المقاولات الصغرى والمتوسطة بالمغرب: عزوف عن العمل أم عزوف عن شروطه؟

بشرى عطوشي

تتزايد شكاوى عدد من أصحاب المقاولات والمشاريع المتوسطة والصغرى بالمغرب من صعوبة استقطاب اليد العاملة المحلية، خصوصاًً في قطاعات البناء والورشات الصناعية وبعض الأنشطة الحرفية والإنتاجية، حيث يجد بعض المشغلين أنفسهم أمام خيارات محدودة لتأمين حاجياتهم من العمال، في وقت يتجهون فيه إلى تشغيل مواطنين من دول إفريقيا جنوب الصحراء لسد الخصاص المسجل في عدد من المهن.

غير أن اختزال هذه الظاهرة في عزوف المغاربة عن العمل لا يقدم صورة كاملة عن الإشكال؛ إذ يفرض الواقع طرح سؤال أكثر عمقاً: هل يتعلق الأمر برفض العمل في حد ذاته، أم برفض شروط مهنية لا تتناسب، في نظر فئات من الباحثين عن الشغل، مع حجم المجهود المبذول وساعات العمل ومستوى الضغط والإنتاجية المطلوبة؟

جاذبية الوظيفة: أبعد من الأجر

في قطاعات البناء والصناعة والحرف، لا ترتبط جاذبية الوظيفة بالأجر وحده، بل تتداخل فيها ظروف الاشتغال، ومدى احترام التوقيت القانوني، والاستقرار المهني، والتغطية الاجتماعية، والسلامة داخل الورشات، وإمكانية اكتساب الخبرة والتطور. وعندما يجتمع ضعف المقابل المادي مع مشقة العمل وغياب الاستقرار، تصبح بعض الوظائف أقل قدرة على استقطاب اليد العاملة المحلية، حتى في ظل استمرار البطالة والحاجة إلى فرص الشغل.

وهنا تبرز المفارقة: فالمشغل يشتكي من نقص العمال، بينما يرى الباحث عن العمل أن الأجر المعروض لا يغطي تكاليف التنقل والمعيشة، ولا يعوض ساعات العمل والجهد البدني المطلوبين. ويتحول الخصاص بذلك من مجرد مشكلة في العرض والطلب إلى مؤشر يستدعي فحص شروط التشغيل ومستوى الأجور ومدى ملاءمتها لطبيعة المهام.

المقاولة الصغرى والمتوسطة: إكراهات حقيقية

في المقابل، تواجه المقاولات الصغرى والمتوسطة تحديات حقيقية، من بينها ارتفاع تكاليف المواد والطاقة والنقل، وضعف هوامش الربح، وصعوبة الولوج إلى التمويل والصفقات، فضلاً عن المنافسة في قطاعات تعتمد على اليد العاملة بشكل مكثف. وتؤثر هذه العوامل في قدرتها على تحسين الأجور وتوفير ظروف مهنية أكثر جاذبية، لكنها لا تجعل من ضعف شروط العمل حلاً مستداماً لنقص الموارد البشرية.

ما تقوله المعطيات: بطالة مرتفعة وفجوة في التوافق

وتكشف المعطيات الوطنية عن مفارقة أخرى تستحق التوقف عندها؛ فقد سجل المغرب معدل بطالة بلغ 13% خلال سنة 2025، وفق تقرير لصندوق النقد الدولي، فيما ظلت بطالة الشباب مرتفعة. وتعكس هذه الأرقام أن وجود أعداد مهمة من الباحثين عن الشغل لا يعني بالضرورة توفر التوافق بين الوظائف المعروضة وشروطها من جهة، وانتظارات المرشحين وقدراتهم من جهة أخرى.

ومن بين الأسباب الأخرى التي قد تفسر العزوف ضعف جاذبية بعض المهن اليدوية لدى فئات من الشباب، وتفضيل وظائف توفر استقراراً أكبر أو مساراً مهنياً واضحاًً، إلى جانب الفجوة بين التكوين ومتطلبات سوق الشغل. كما يطرح العمل غير المهيكل إشكالاً إضافياً عندما يجد العامل نفسه أمام خيارات لا تضمن له بالضرورة عقداً واضحاًً أو حماية اجتماعية أو استمرارية في الدخل. وقد أظهر تقرير المندوبية السامية للتخطيط حول القطاع غير المهيكل لسنتي 2023 و2024 استمرار أهمية هذا القطاع في النسيج الاقتصادي الوطني، بما يرافقه من تحديات مرتبطة باستقرار العمل والحماية الاجتماعية.

تشغيل الأجانب: لا لتحميل المسؤولية

أما تشغيل مواطنين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، فلا ينبغي التعامل معه باعتباره سبب الأزمة أو تحميل هذه الفئة مسؤوليتها؛ فالعامل، أياً كانت جنسيته، يبحث عن مصدر دخل وفرصة عمل. ويظل التحدي الحقيقي هو ضمان شروط تشغيل قانونية وعادلة للجميع، ومنع أي استغلال أو تمييز، مع تمكين المقاولات من استقطاب الكفاءات التي تحتاج إليها. كما أن الانطباعات المتداولة لدى بعض المشغلين بشأن صعوبة العثور على عمال مغاربة تحتاج إلى بيانات قطاعية وميدانية تحدد طبيعة المهن والأجور المعروضة ونسب الاستجابة للعروض، بدل تعميمها على مجموع اليد العاملة الوطنية.

المسؤولية المشتركة: الدولة والمقاولة والشركاء الاجتماعيون

وتتجه المسؤولية هنا إلى الجهات الوصية على التشغيل والشغل والتكوين المهني، مطالبة بتجاوز المقاربة التي تختزل أزمة التشغيل في عدد مناصب الشغل المحدثة، نحو تقييم جودة هذه المناصب ومدى قدرتها على توفير دخل لائق واستقرار مهني. ويقتضي ذلك تعزيز دور الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات في الوساطة بين المقاولات والباحثين عن العمل، وربط التكوين بالتخصصات التي تعرف خصاصاً فعلياً، وتطوير برامج التأهيل داخل الورشات والمصانع، مع تشجيع اكتساب المهن التقنية والحرفية التي تحتاجها المقاولات.

كما يتطلب الأمر تكثيف مراقبة احترام الحد الأدنى القانوني للأجور وساعات العمل والراحة الأسبوعية وشروط السلامة المهنية والتصريح بالأجراء لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. وفي المقابل، تحتاج المقاولات الصغيرة والمتوسطة إلى مواكبة عملية لتخفيف أعبائها وتحسين إنتاجيتها، من خلال تسهيل التمويل والتحديث التقني والتكوين المستمر، بما يسمح لها بتحسين الأجور دون تعريض استمراريتها الاقتصادية للخطر.

ولا يمكن إغفال دور السلطات المحلية والهيئات المهنية والنقابات في رصد الاختلالات التي تظهر داخل القطاعات الأكثر اعتماداً على اليد العاملة، وإطلاق حوار اجتماعي يوازن بين قدرة المقاولة على الاستمرار وحق العامل في شروط اشتغال تحفظ كرامته. فالمقاولة التي لا تستطيع الاحتفاظ بعمالها ستواجه ارتفاع تكاليف الاستقطاب والتدريب وتراجع الإنتاجية، بينما يفقد العامل الذي لا يجد شروطاً مناسبة فرصة الاستقرار وتحسين وضعه الاجتماعي.

نحو معادلة أكثر توازناً

إن أزمة اليد العاملة التي تتحدث عنها بعض المقاولات المغربية تستحق معالجة تتجاوز تبادل الاتهامات بين المشغل والباحث عن العمل. فليس من الواقعي مطالبة المقاولات برفع الأجور دون مراعاة قدرتها الاقتصادية، كما لا يمكن مطالبة العمال بقبول أجور ضعيفة وساعات طويلة وضغط إنتاجي مرتفع دون ضمانات كافية. والحل يكمن في خلق معادلة أكثر توازناً، تجعل العمل مجزياً للعامل، والإنتاج مستداماً للمقاولة، والتشغيل منظماً وخاضعاً للقانون.

ويبقى السؤال المطروح أمام الحكومة والجهات المعنية: إلى أي حد تعكس صعوبة استقطاب اليد العاملة في بعض القطاعات خللاً في جاذبية الوظائف المعروضة، وما التدابير العملية التي ستتخذها لضمان التقاء حاجيات المقاولات مع انتظارات الباحثين عن العمل؟ فنجاح سياسة التشغيل لا يُقاس فقط بعدد الفرص المعلنة، بل أيضاًً بقدرتها على تحويلها إلى وظائف لائقة ومستقرة تستجيب لحاجيات الاقتصاد وتحفظ كرامة العامل المغربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى