عشر سنوات من محاربة الفساد تحت التقييم.. هيئة النزاهة تكشف استمرار فجوة بين الإصلاحات ونتائجها

مديحة المهادنة
بعد عشر سنوات من إطلاق الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، يعود سؤال النجاعة إلى واجهة النقاش المؤسساتي، بعدما كشف التقييم الرسمي عن استمرار اختلالات تحول دون ترجمة الجهود التشريعية والتنظيمية إلى نتائج ملموسة في مجال النزاهة والشفافية.
وأكدت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، في تقريرها السنوي برسم سنة 2025، أن انتهاء الدورة الزمنية للاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد للفترة الممتدة بين 2015 و2025 يمثل محطة أساسية لتقييم حصيلة السياسات العمومية المعتمدة، والانتقال من قياس حجم الإنجازات إلى تحديد أثرها الحقيقي.
وأوضحت الهيئة أن التجربة الوطنية أفرزت إصلاحات تشريعية وتنظيمية ومؤسساتية مهمة، غير أن تعدد المشاريع والبرامج لا يضمن بالضرورة تحقيق النتائج المنتظرة، كما أن ارتفاع نسب الإنجاز لا يؤدي تلقائيا إلى تحسن مؤشرات النزاهة أو تراجع مخاطر الفساد.
وسجل التقرير أن أحد أبرز التحديات يتمثل في استمرار الفجوة بين الالتزامات المعلنة والتنفيذ الفعلي، إلى جانب تفاوت مستويات انخراط القطاعات والمؤسسات، وضعف الالتقائية والتنسيق بين مختلف المتدخلين في منظومة مكافحة الفساد.
واعتبرت الهيئة أن هذه الاختلالات تفرض مراجعة طريقة إعداد وتنفيذ السياسات العمومية، بما يسمح بالانتقال من منطق تعدد التدخلات القطاعية إلى بناء منظومة وطنية متكاملة، تقوم على تحديد المسؤوليات وتنسيق الجهود وقياس النتائج.
وفي هذا السياق، أبرز التقرير أن مكافحة الفساد لا يمكن اختزالها في المتابعات القضائية أو التدخل بعد وقوع المخالفات، بل تقتضي تطوير أدوات الوقاية والاستباق، والكشف المبكر عن المخاطر التي قد تتحول إلى ممارسات ممنهجة أو تتسبب في أضرار مالية ومؤسساتية.
وشدد على أهمية الاستثمار في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، باعتبارها أدوات تساعد على رصد مؤشرات الفساد وفهم تطورها وتوجيه عمليات المراقبة والتدخل.
كما أكد ضرورة تعزيز التنسيق بين الحكومة والمؤسسات الدستورية وهيئات الرقابة والقضاء والجماعات الترابية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، موضحا أن فعالية مكافحة الفساد لا تقاس بأداء مؤسسة واحدة، وإنما بقدرة مختلف الفاعلين على العمل وفق أهداف مشتركة.
وفي هذا الإطار، وضعت الهيئة استراتيجيتها للفترة 2025-2030 ضمن توجه جديد يقوم على القيادة الاستراتيجية والاستشرافية، والوقاية الذكية، والتكامل المؤسساتي، والانخراط المجتمعي، والتحول الرقمي، وتعزيز الجاهزية المؤسسية.
وتستهدف هذه المقاربة الانتقال من التدخل بعد وقوع الفساد إلى بناء سياسات وقائية مستمرة، تعتمد على المعرفة والتقييم والتخطيط وإدارة المخاطر، مع جعل النتائج الفعلية معيارا أساسيا للحكم على نجاعة التدخلات العمومية.
وأكد محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، في تقديم التقرير، أن المغرب راكم مكتسبات مؤسساتية وتشريعية مهمة، غير أن المرحلة المقبلة تقتضي تجاوز منطق الالتزام إلى التنفيذ، والانتقال من البرامج إلى النتائج، ومن التدخلات المتفرقة إلى العمل الجماعي المنسق.
واعتبر أن الرهان الحقيقي لم يعد يتمثل في إنتاج النصوص وإحداث المؤسسات وإطلاق المبادرات، بل في تحويل هذه المكتسبات إلى ممارسات يومية تنعكس على ثقة المواطنين وجودة الخدمات العمومية وجاذبية الاستثمار وحماية المال العام.
وتخلص قراءة الهيئة إلى أن المرحلة المقبلة تستدعي بناء نموذج جديد للسياسات العمومية في مجال النزاهة، تكون فيه المساءلة والتقييم المستمر وقياس الأثر عناصر أساسية، بما يضمن ألا تبقى مكافحة الفساد مجرد التزام مؤسساتي، بل تتحول إلى نتائج قابلة للتحقق داخل الإدارة والاقتصاد والمجتمع.





