الورق والحبر أغلى وأهمّ من الدواء.. ربع مليار تفضحُ المستور داخل وكالة الأدوية!
اعلام تيفي

إعلام تيفي _ الرباط
بينما تعيش مديرية الأدوية والصيدلة التابعة لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية شللاً تاماً في مساطر تسجيل الأدوية والمنتجات الصحية، وتتعطل فيها المنصة الرقمية المسؤولة عن المصادقة على الملفات، تكشف وثائق رسمية عن صرف 3.140.292 درهم—أي ما يفوق ربع مليار سنتيم—في صفقات عمومية تثير الشكوك حول أولويات الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، التي يُفترض أن تكون في طليعة مؤسسات حماية السيادة الدوائية الوطنية.
الصفقة الأولى، رقم 2025/05، بقيمة 2.501.100,00 درهم، لا تتعلق، كما قد يتوهم البعض، بشراء أدوية باهظة الثمن أو بتجهيز مختبرات التحاليل أو تأمين قاعدة بيانات رقمية، بل بخطة “تسليح إداري” مبالغ فيها.

المطلوب؟ مئات وحدات الحبر (toners) لطابعات الليزر، من مختلف الألوان والموديلات، تخص علامات HP وCanon، بأعداد مهولة تصل إلى 122 وحدة من نوع واحد، و55 و70 و50 وحدة من أنواع أخرى، موزعة على أكثر من 30 صنفاً من الطابعات. الأمر لا يتعلق بعملية رقمية لرقمنة الملفات أو تدبير طوارئ صحية، بل بتكديس مستلزمات الطباعة، كما لو أننا في إدارة أرشيف ورقي عتيق، لا مؤسسة معنية بتدبير دواء أمة.
أما الصفقة الثانية، رقم 2025/04، فتكشف واقعاً أكثر عبثية. فبميزانية 639.192,00 درهم، تطلب الوكالة اقتناء آلاف الأقلام، الدفاتر، الأظرفة، القصاصات اللاصقة، المساطر، الصمغ، وأشرطة الورق… وغيرها من لوازم المكاتب التي لا يمكن بحال أن تُعتبر أولوية في ظل انقطاع أدوية كثيرة، وغياب منتجات صحية أساسية في السوق الوطنية. ففي هذه الصفقة وحدها، يُطلب مثلاً اقتناء 5000 رزمة ورق ليزر، و250 قلماً، و1000 علبة من مشابك الأوراق، وكأننا في ورشة تحضيرية لامتحانات البكالوريا، لا مؤسسة معنية بصحة المواطن المغربي.

أمام هذا النزيف المالي، يتبادر سؤال مشروع: من يراقب هذه الصفقات؟ من يمنح التأشيرات لهذه المشتريات في غياب حكامة وربط للمسؤولية بالمحاسبة؟ وهل يعتقد المدير العام للوكالة، سمير أحيد، أن تكديس الحبر والأوراق أهم من تأمين الدواء وإنقاذ حياة المرضى؟
أما وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، فيواصل لعب دور الغائب الحاضر، متوارياً خلف بلاغات فضفاضة وتصريحات وردية، تاركاً المؤسسات الصحية تُدار بمنطق التوريدات لا الإصلاح، وكأن الأمر يتعلق بمخازن تجهيز مكتبي، لا مؤسسة سيادية أحدثها جلالة الملك لتأمين الأمن الدوائي للمغاربة.
ما يجري هو بمثابة خيانة لروح التوجيهات الملكية ومصالح المواطنين، حيث يبدو أن الوكالة تحولت إلى نموذج مصغّر للبيروقراطية الفارغة، تُدار بمنطق الجداول والمناقصات، بدل منطق الإصلاح والتتبع والمسؤولية.
إننا أمام ورش ملكي استراتيجي يبدو أنه فشل في تحقيق أهدافه في أشهره الأولى، وبدل أن يُساهم في حلحلة أزمة الدواء، أصبح جزءاً من الأزمة نفسها. والسبب: غياب الإرادة، انعدام الرقابة، وتغوّل المصالح.
كما أن ما تكشفه هذه المعطيات لا يندرج في إطار الجدل السياسي أو المزايدات الإعلامية، بل هو دعوة صريحة لإعادة ترتيب الأولويات داخل مؤسسات حيوية تُعنى بصحة المواطن وسيادة الوطن. ففي لحظة وطنية دقيقة، تقتضي حسّاً عالياً بالمسؤولية، والتزاماً صادقاً بروح الإصلاح، تصبح الشفافية والنجاعة واليقظة واجباً مؤسساتياً لا يقبل التأجيل. لأن الرهان في نهاية المطاف ليس على المعدات ولا على المكاتب، بل على ثقة المواطن، وهي أثمن ما يجب الحفاظ عليه.





