تقرير الصحة العالمية: مصادر “إعلام تيفي” تكشف أعطاب الحكامة التي أسقطت التصنيف الدولي

حسين العياشي

كشفت معطيات متقاطعة من داخل الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية عن حالة استياء عميق أعقبت صدور تقرير منظمة الصحة العالمية، ليس فقط بسبب عدم بلوغ مستوى النضج الثالث في التصنيف الدولي، بل لأن التقرير أعاد إلى السطح اختلالات كان يتم التحذير منها داخليًا منذ مدة، دون أن تحظى بالمعالجة الكافية في الوقت المناسب. فبعيدًا عن القراءات السطحية التي اختزلت النتيجة في “تعثر تقني”، يرى عدد من الأطر والخبراء داخل الوكالة أن ما جرى هو نتيجة مسار معقّد تداخلت فيه إكراهات قانونية ومؤسساتية وهيكلية، أضعفت قدرة المغرب على تحويل المجهودات المبذولة إلى اعتراف دولي فعلي.

و في هذا السياق، أشارت مصادر “إعلام تيفي” إلى أن الانطلاقة الأولى لمسار التقييم اصطدمت بعقبة جوهرية تمثلت في الأسس القانونية المؤطرة لعمل الوكالة الوطنية للأدوية. فرغم حجم النصوص التشريعية والتنظيمية التي جرى إعدادها، فإن جزءًا منها شابه قصور تقني ناجم عن سوء فهم بعض المقتضيات القانونية أو عدم ملاءمتها الدقيقة لمتطلبات التقييم الدولي.

هذه الثغرات، التي تم تدارك بعضها لاحقًا، حالت دون بناء قاعدة قانونية صلبة منذ البداية، لكنها في المقابل مكّنت المغرب من تجاوز المستوى الأول من التصنيف، الذي يكتفي بوجود تشريعات وطنية أساسية تسمح بالانتقال إلى المستوى الثاني.

غير أن التحدي الحقيقي، بحسب المصادر ذاتها، برز مع الانتقال إلى المستوى الثاني، الذي لا يكتفي بوجود النصوص، بل يشترط ملاءمة دقيقة للمساطر والإجراءات مع المعايير الدولية المعتمدة من طرف منظمة الصحة العالمية.

هذا المستوى يركز بالأساس على كيفية تنزيل القوانين، ومدى انسجام الممارسات مع المرجعيات التقنية والتنظيمية العالمية. وقد انطلق العمل على هذا الورش منذ ما يقارب سنتين، في سياق اتسم بضغوط زمنية واحتقان داخلي، ورغم ذلك حاولت الأطر المختصة توفير الشروط الضرورية للارتقاء إلى المستوى الثالث، الذي يمنح صفة الموثوقية الدولية.

إلا أن مسار التحول المؤسساتي شكّل، وفق المصادر، نقطة ارتباك حقيقية. فالانتقال من مديرية الأدوية إلى وكالة مستقلة لم يكن، من حيث المبدأ، خطوة سلبية، لكنه تم في سياق لم تُحسم فيه بوضوح الأدوار، ولا العلاقات التنظيمية، ولا مستويات المسؤولية، ما أفرز غموضًا في الهيكلة، وأربك مسارات اتخاذ القرار، وأضعف الانسجام المطلوب بين الوظائف التنظيمية والرقابية. هذا التحول غير المكتمل جعل الوكالة، في نظر المقيمين الدوليين، مؤسسة لم تبلغ بعد درجة النضج الكافي من حيث الاستقلال والوضوح المؤسسي.

ومن بين النقاط التي يقرّ بها الفاعلون من داخل الوكالة بقدر كبير من الصراحة، مسألة تقييم الجودة. فغياب آليات داخلية منتظمة لتقييم الأداء والجودة، وفق المعايير المعتمدة دوليًا، حرم المؤسسة من فرصة تشخيص ذاتي مبكر كان من شأنه كشف النواقص قبل وصول بعثة منظمة الصحة العالمية.

ويجمع هؤلاء على أن تقييم الجودة ليس إجراءً شكليًا، بل أداة استراتيجية توفر الوقت، وتمنع هدر الجهود، وتعزز الثقة في المنظومة التنظيمية. كما أن الإطار المرجعي المعروف بـGlobal Benchmarking Tools كان يفترض أن يشكل العمود الفقري للحكامة والجودة داخل الوكالة، غير أن غيابه العملي، أو عدم تفعيله بشكل كامل، أضعف القدرة على ضبط المساطر ومساءلة المخالفين وفق قواعد واضحة ومعترف بها دوليًا.

أما في ما يتعلق بالصناعة المحلية، خاصة في مجال اللقاحات، فتقر المصادر نفسها بوجود منطقة رمادية مقلقة. فالمغرب، رغم امتلاكه تجربة صناعية معتبرة، لم يتمكن بعد من إثبات أهلية مختبراته، بالمعايير القانونية والتنظيمية المطلوبة، للقيام بمهام التقييم أو مراقبة الجودة، سواء تعلق الأمر باللقاحات أو بالصناعة الصيدلانية المحلية عمومًا. ووفق قواعد منظمة الصحة العالمية، فإن عدم بلوغ المستوى الثالث من النضج يحرم السلطات الوطنية من حق إجراء هذا النوع من التقييمات بشكل معترف به دوليًا، حتى وإن كانت الكفاءات التقنية موجودة فعليًا على أرض الواقع.

بهذا المعنى، لا ترى هذه المصادر في تقرير منظمة الصحة العالمية حكمًا نهائيًا على فشل التجربة، بقدر ما تعتبره جرس إنذار قاسيًا لكنه ضروري، أعاد ترتيب الأولويات، وكشف بوضوح أن التقدم في التصنيف الدولي لا يتحقق بتراكم النصوص وحدها، ولا بإحداث مؤسسات جديدة دون استكمال شروط استقلالها وحكامتها، بل ببناء منظومة متكاملة تتأسس على وضوح القانون، وانسجام المساطر، وتقييم دائم للجودة، واستثمار فعلي في الكفاءات.

ويخلص هذا التشخيص الداخلي إلى أن تجاوز هذه المرحلة يظل ممكنًا، شريطة التعامل مع نتائج التقرير بروح إصلاحية لا دفاعية، وباعتبارها فرصة لإعادة البناء لا مناسبة لتبادل الاتهامات. فالأمن الدوائي، كما تؤكد هذه الأصوات من داخل الوكالة، لا يحتمل الحلول الترقيعية، ولا يمكن أن يُدار بمنطق ردّ الفعل، بل يتطلب إرادة سياسية واضحة، واستقلالًا مؤسساتيًا فعليًا، ومنظومة تنظيمية قادرة على تحويل الطموح المغربي في السيادة الصحية إلى واقع معترف به دوليًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى