الطاقة النووية السلمية تدخل دائرة الخيارات الاستراتيجية للمغرب

أميمة حدري
يتجه المغرب بشكل متزايد إلى إدراج الطاقة النووية السلمية ضمن الخيارات الاستراتيجية لتعزيز أمنه الطاقي ومواكبة التحولات العالمية في مجال الطاقة منخفضة الكربون، في ظل ارتفاع الطلب على الكهرباء وتسارع الجهود الدولية للحد من الانبعاثات الكربونية.
ويأتي هذا التوجه في سياق استراتيجية وطنية تسعى إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليص الاعتماد على الواردات، خاصة وأن المملكة تدرس منذ سنوات، إمكانية إدماج الطاقة النووية في مزيجه الطاقي على المدى الطويل لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء ودعم التنمية الاقتصادية.
ويبرز هذا التوجه أيضا من خلال مشاركة المغرب في المحافل الدولية المرتبطة بالطاقة النووية السلمية، آخرها القمة الدولية الثانية حول الطاقة النووية المنعقدة الثلاثاء الماضي بباريس، حيث أكدت الرباط التزامها باستخدام التكنولوجيا النووية في إطار مدني صرف، مع احترام قواعد السلامة والشفافية الدولية.
كما شارك المغرب ضمن 27 دولة، في توقيع إعلان مشترك على هامش القمة، تأكيدا على أهمية تعبئة تمويل كاف ومتوقع ومتنوع لدعم مشاريع الطاقة النووية وتعزيز الاستثمارات المرتبطة بها.
وفي هذا السياق، سبق وأن حصل المغرب على اعتراف من الوكالة الدولية للطاقة الذرية بامتثاله الكامل لالتزاماته في مجال الضمانات النووية، بعدما أكد تقرير الوكالة أن جميع المواد النووية في المملكة تستخدم لأغراض سلمية فقط، وهو ما يعكس مستوى الثقة الدولية في منظومة الرقابة النووية المغربية.
وعلى المستوى المؤسسي والعلمي، راكم المغرب خلال العقود الأخيرة بنية تحتية مهمة في مجال العلوم والتقنيات النووية، خاصة عبر عمل المركز الوطني للطاقة والعلوم والتقنيات النووية الذي يشرف على تشغيل المفاعل البحثي المغربي الموجود في مركز المعمورة قرب الرباط.
ويعد هذا المفاعل، من نوع “TRIGA Mark II”، أول منشأة نووية بالمملكة، وقد دخل الخدمة سنة 2007، ويستخدم لأغراض البحث العلمي وتكوين الكفاءات وإنتاج النظائر المشعة المستعملة في الطب والصناعة والزراعة.
ويشكل هذا المركز العلمي منصة أساسية لتطوير التطبيقات النووية السلمية، إذ يساهم في إجراء التحاليل النووية الدقيقة، وتطوير تقنيات مراقبة الإشعاع البيئي، إضافة إلى إنتاج مواد إشعاعية تستخدم في التشخيص والعلاج الطبي وفي مجالات صناعية وزراعية متعددة. كما يضطلع بدور إقليمي في تكوين الأطر المتخصصة، حيث يوفر سنويا برامج تدريب وتكوين لعدد مهم من الخبراء والمهندسين في مجال العلوم النووية والتقنيات المرتبطة بها.
وفي سياق التحولات الطاقية العالمية، يطرح خبراء الطاقة مسألة إدماج الطاقة النووية ضمن المزيج الطاقي الوطني كأحد الخيارات الممكنة لتأمين إمدادات مستقرة من الكهرباء، خاصة في ظل تزايد الطلب المرتبط بالنمو الاقتصادي والتوسع الصناعي.
كما يراهن المغرب على تطوير استخدامات أخرى للطاقة النووية السلمية تتجاوز إنتاج الكهرباء، من بينها الزراعة والصناعة وتحلية مياه البحر، وهي مسألة تكتسي أهمية متزايدة في ظل الإجهاد المائي الذي تعرفه المنطقة منذ سنوات، الذي بدأت تتعافى منه في الآونة الأخيرة في ظل الأمطار التي عرفتها المملكة.
وفي الوقت ذاته، يواصل المغرب تعزيز بنيته التنظيمية والمؤسساتية لضمان أعلى معايير السلامة النووية، حيث أكدت بعثات تقييم دولية، أن المملكة أحرزت تقدما ملحوظا في بناء إطار تنظيمي متكامل للسلامة والأمن الإشعاعي، في إطار رؤية طويلة المدى تستهدف تعزيز الاستقلال الطاقي وتقليص الانبعاثات الكربونية، مع الحفاظ على التزام واضح بالاستخدام المدني للذرة وفق القواعد والمعايير الدولية.





