مسطرة الصلح تتوسع في المغرب.. آلاف القضايا تنتهي خارج قاعات المحاكم

إعلام تيفي – دورية
سجّلت مسطرة الصلح في القضايا الجنحية بالمغرب دفعة جديدة نحو التفعيل، بعد صدور دورية عن رئاسة النيابة العامة تدعو إلى تعزيز اعتماد هذه الآلية كبديل عن الدعوى العمومية، في خطوة تعكس توجهاً متزايداً نحو ترسيخ مبادئ العدالة التصالحية وتخفيف الضغط عن المحاكم الزجرية.
وجاء هذا التوجه من خلال دورية وُجّهت إلى الوكلاء العامين للملك لدى محاكم الاستئناف ووكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية، تحثهم على إعطاء أولوية أكبر لتفعيل مسطرة الصلح في تدبير القضايا الجنحية، وذلك في ضوء المستجدات التي جاء بها القانون رقم 03.23 المعدل والمتمم لقانون المسطرة الجنائية، والذي فتح الباب أمام توسيع نطاق اللجوء إلى هذه الآلية كخيار عملي لتسوية عدد من النزاعات الجنحية خارج قاعات المحاكم.
وتعكس هذه التوجيهات تحوّلاً تدريجياً في فلسفة تدبير بعض القضايا الجنحية، يقوم على تشجيع الحلول التصالحية التي تسمح بإنهاء النزاع بسرعة ومرونة، مع الحفاظ على حقوق الأطراف المتنازعة، وتجنب المسار الطويل والمعقد للمحاكمة الزجرية، خاصة في القضايا التي لا تستدعي بالضرورة اللجوء إلى العقوبة السالبة للحرية.
وفي هذا السياق، أبرزت الدورية أن التعديلات التي طالت المادتين 41 و41-1 من قانون المسطرة الجنائية وسّعت من صلاحيات النيابة العامة في اقتراح الصلح بين أطراف النزاع، إذ أصبح بإمكان وكيل الملك أن يبادر تلقائياً إلى اقتراح هذه المسطرة والسعي إلى تحقيقها بين المشتكي والمشتكى به، أو منح الطرفين مهلة للتوصل إلى اتفاق ينهي النزاع بشكل ودي دون المرور عبر المسطرة القضائية الكاملة.
ولتعزيز فرص نجاح هذا المسار، أتاحت المقتضيات القانونية الجديدة إمكانية اللجوء إلى الوساطة من خلال تعيين وسيط أو أكثر، سواء باقتراح من الأطراف المعنية أو باختيار من النيابة العامة، كما يمكن إسناد مهمة الصلح إلى محامي الطرفين أو الاستعانة بخدمات مكاتب المساعدة الاجتماعية داخل المحاكم، بما يوفر إطاراً مناسباً لإيجاد حلول توافقية تحفظ مصالح جميع الأطراف.
ولم تتوقف التعديلات عند حدود آليات الصلح، بل امتدت أيضاً إلى توسيع نطاق الجرائم التي يمكن أن تشملها هذه المسطرة. فبعد أن كان الصلح يقتصر في السابق على بعض الجنح الضبطية البسيطة، أصبح يشمل اليوم عدداً من الجنح التأديبية التي تتجاوز العقوبة المقررة لها سنتين حبسا، من بينها جرائم الضرب والجرح والسرقة والنصب وخيانة الأمانة، وهي من أكثر القضايا حضوراً أمام النيابات العامة والمحاكم، ما يمنح هذه الآلية إمكانية لعب دور أكبر في معالجة جزء مهم من النزاعات الجنحية.
وتكشف المؤشرات الإحصائية الواردة في الدورية عن تطور ملحوظ في اعتماد هذه المسطرة خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفع عدد المستفيدين منها من 8219 حالة سنة 2023 إلى 15862 حالة خلال سنة 2024، قبل أن يسجل سنة 2025 ارتفاعاً جديداً بلغ 21963 مستفيداً، أي بزيادة تقدر بنحو 38 في المائة، وهو ما يعكس تنامياً تدريجياً في اللجوء إلى هذه الآلية داخل منظومة العدالة الجنائية.
ولم يقتصر أثر هذا التطور على تقليص عدد القضايا المعروضة على القضاء الزجري، بل امتد أيضاً إلى الجانب المالي، إذ بلغت المداخيل المتأتية من الغرامات التصالحية أزيد من 13,2 مليون درهم تم إيداعها مباشرة بصناديق المحاكم، دون الحاجة إلى المرور عبر مساطر التنفيذ الزجري المعتادة، وهو ما يساهم بدوره في تسريع تسوية الملفات وتخفيف العبء الإداري والقضائي.
كما شددت رئاسة النيابة العامة على أن مسطرة الصلح يمكن أن تطبق كذلك في حالة الأطفال في نزاع مع القانون، وفق الشروط المنصوص عليها في قانون المسطرة الجنائية، مع ضرورة استحضار المصلحة الفضلى للطفل والسعي إلى تحقيق الصلح بينه أو بين وليه القانوني والمتضرر، بما يسمح بتفادي المتابعة القضائية والحفاظ على اندماجه داخل محيطه الاجتماعي الطبيعي.
وفي المقابل، نبهت الدورية إلى أن بعض النيابات العامة لا تزال تسجل مستويات محدودة في تفعيل هذه المسطرة مقارنة بعدد القضايا المعروضة عليها، داعية المسؤولين القضائيين إلى بذل مزيد من الجهود لاستثمار الإمكانيات التي وفرتها التعديلات التشريعية الجديدة، خاصة بعد تبسيط شروط الصلح وإلغاء مسطرة المصادقة عليه، إذ أصبح الاتفاق نافذاً بمجرد تحرير محضر بذلك وتنفيذ الالتزامات المتفق عليها.
ويأتي هذا التوجه في سياق أوسع تسعى من خلاله رئاسة النيابة العامة إلى جعل مسطرة الصلح أحد المرتكزات العملية لتنفيذ السياسة الجنائية، لما توفره من آلية مرنة لتسوية النزاعات الجنحية، وحماية حقوق الضحايا، وتحقيق قدر أكبر من النجاعة القضائية عبر تقليص عدد القضايا المعروضة على المحاكم.
وبين ترسيخ مبادئ العدالة التصالحية وتخفيف الضغط المتزايد على المنظومة القضائية، تبدو مسطرة الصلح مرشحة لأن تتحول تدريجياً إلى إحدى الأدوات الأساسية في تدبير جزء مهم من النزاعات الجنحية، في إطار مقاربة جديدة تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين مقتضيات الردع القانوني وإعادة ترميم العلاقات الاجتماعية التي تتضرر بفعل الجريمة.





