فاس بلا ميزانية لسنتين.. منتخبون يكشفون اختلالات خطيرة

حسين العياشي

تحوّل اللقاء الذي نظمته جمعية المستقبل للصحافيين الشباب، بفاس، إلى نقاش مكثّف كشف من خلاله عدد من أعضاء المجلس الجماعي، عن توتر السياسي وقلق المالي من حجم التعثر الذي يطبع تدبير ميزانية المدينة. النقاش لم يكن مجرد لقاء عابر حول تدبير الشأن المحلي، بل أقرب إلى مساءلة جماعية لوضع مدينة تبدو، في نظر عدد من منتخبها، عالقة بين اختلالات التدبير وضبابية الرؤية. هناك، لم تعد الميزانية وثيقة تقنية تُناقش داخل اللجان، بل أصبحت عنواناً لأزمة أعمق تمسّ جوهر الحكامة المحلية ومستقبل المرافق العمومية.

في هذا السياق، اعتبر محمد خيي، المستشار الجماعي عن حزب العدالة والتنمية، أن فاس تعيش وضعاً استثنائياً غير مسبوق، مؤكداً أنها توجد فعلياً دون ميزانية، بعد أن أعيد مشروعها مرات متعددة بسبب اختلالات في الصياغة وعدم احترام القواعد القانونية المؤطرة لها.

وأوضح خيي أن هذا التعثر لم يعد مجرد خلل تقني، بل يعكس عجزاً بنيوياً في تدبير واحدة من أهم الوثائق التي تقوم عليها الجماعات الترابية، مشيراً إلى أن النفقات الحالية لا تُصرف إلا في حدودها الإجبارية، بناءً على تراخيص استثنائية، في غياب رؤية مالية واضحة تؤطر برامج التنمية المحلية.

ولم يقف النقد عند حدود الشكل، بل امتد إلى عمق الموارد المالية، حيث سجل المتحدث تراجعاً لافتاً في مداخيل الجماعة، خاصة تلك المرتبطة بالضريبة على الأراضي العارية، مطالباً بكشف معطيات دقيقة حول الإعفاءات التي تُمنح في هذا المجال، والتي يرى أنها تُستغل في بعض الحالات بشكل يفرغ هذا المورد من جدواه.

أما على مستوى تدبير المرافق، فقد برزت صورة أكثر قتامة، إذ تحدث خيي عن حالة من “شرعنة الفوضى” داخل عدد من الأسواق، حيث لم يعد الإطار القانوني المنظم يحكم النشاط التجاري، خاصة في أسواق الجملة التي انتشرت خارج الضوابط، ما أدى إلى اختلالات في تحصيل الرسوم وضياع موارد مالية مهمة، إلى جانب مشاكل متكررة في تدبير مواقف السيارات.

وفي جانب صرف الاعتمادات، أشار المتدخل إلى عجز المجلس عن تنفيذ برامج مبرمجة، من بينها ميزانية مهمة خُصصت لصيانة المساحات الخضراء، لكنها ظلت مجمدة بسبب عدم القدرة على إعداد الصفقات العمومية المرتبطة بها، في مؤشر إضافي على تعثر آليات التدبير.

من جهتها، اعتبرت يسرى مسقي، المستشارة عن حزب جبهة القوى الديمقراطية، أن مرور سنتين دون ميزانية للتجهيز يعكس خللاً عميقاً في عمل المجلس، مؤكدة أن عدداً من المشاريع التي كانت تنتظرها الساكنة لم ترَ النور، في وقت تضيع فيه موارد حيوية، خاصة تلك المرتبطة بمواقف السيارات.

أما حكيم بنسالم، المستشار عن حزب الأصالة والمعاصرة، فذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن تسيير جماعة دون ميزانية أمر غير قابل للتصور، ومشدداً على أن الوثائق التي يُنتجها المجلس تفتقر إلى الدقة والواقعية، وغالباً ما تُبنى على توقعات غير دقيقة. كما دعا إلى اعتماد الشفافية عبر جرد شامل للأملاك الجماعية، لتحديد طرق استغلالها وحجم المداخيل التي تدرها فعلياً.

وفي قراءة أكثر تفصيلاً، ربط علي لقصب، المستشار عن حزب التقدم والاشتراكية، رفض الميزانية بما وصفه بالتضخيم داخل بنودها، مستشهداً بارتفاع اعتمادات الأعوان العرضيين إلى مستويات تفوق ما يتم الإعلان عنه، معتبراً أن هذا الوضع يعكس توجهاً نحو توظيفات ذات خلفيات انتخابية أكثر منها تدبيرية.

كما سلط الضوء على اختلالات بنيوية في عدد من المرافق، من بينها سوق الجلد الذي لا يحقق مداخيل تتناسب مع نشاطه، مقارنة بمرافق مماثلة في مدن أخرى، إضافة إلى الفوارق الكبيرة في عائدات مواقف السيارات، رغم الكثافة السكانية المرتفعة لمدينة فاس. وأشار أيضاً إلى نشاط تجاري واسع خارج الإطار القانوني في سوق التمر، ما يحرم الجماعة من موارد مالية مهمة.

وفي سياق متصل، طُرحت إشكالات أخرى مرتبطة بتدبير المرافق العمومية، حيث تم الحديث عن تعطيل ميزان سوق الخضر والفواكه وما يترتب عنه من اختلالات في عمليات الوزن، إلى جانب انتشار أسواق عشوائية أثرت بشكل مباشر على مداخيل الجماعة، فضلاً عن الفوضى التي تطبع تدبير المحطة الطرقية.

كما برزت مؤشرات على غياب التخطيط الاستباقي في تدبير عدد من الخدمات، حيث أشار بنسالم إلى أن تجهيز بعض المرافق، مثل المسابح، يتم بشكل متأخر بعد بداية الموسم الصيفي، بدل إعدادها مسبقاً، وهو ما يعكس نمط تدبير يقوم على رد الفعل بدل التخطيط.

وفي قطاع النقل الحضري، تتواصل الاختلالات، خاصة في الأحياء الشعبية، حيث لا تزال بعض المناطق غير مربوطة بشكل كافٍ بشبكة النقل، ما ينعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية للسكان، بل ويؤثر على المسار الدراسي لبعض الطلبة الذين يجدون أنفسهم مضطرين للتخلي عن فرص تعليمية بسبب صعوبة التنقل.

أما على مستوى البنيات التحتية، فقد كشفت التدخلات عن مفارقات لافتة، حيث تظل بعض المشاريع مغلقة رغم انتهاء أشغالها بسبب مشاكل تقنية، كما هو الحال بالنسبة لملعب باب الفتوح، في حين تعاني مرافق أخرى من نقص في التجهيزات الأساسية، مثل سوق السمك.

وبين تعثر الميزانية وتراجع المداخيل وتدهور المرافق، تتشكل صورة مدينة تواجه تحديات مركبة في تدبير شؤونها المحلية، حيث لم يعد النقاش محصوراً في أرقام ووثائق، بل أصبح مرتبطاً بمدى قدرة المؤسسات المنتخبة على استعادة ثقة المواطنين، وإعادة بناء توازن مفقود بين الموارد والخدمات، في مدينة تحمل تاريخاً عريقاً وتبحث عن تدبير يوازي مكانتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى