حرب الشرق الأوسط.. إجراءات ارتجالية للحكومة لا أثر حقيقي يذكر!!!

بشرى عطوشي

تحليل_ في مواجهة الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة العالمية، اختار المغرب تخفيف وطأة الأزمة بالسيطرة على أسعار بعض السلع الحساسة، لا سيما غاز البوتان والكهرباء.

يُعدّ هذا الإجراء ضرورياً من الناحية الاجتماعية، إلا أن حدوده بدأت تتضح مع تصاعد التوترات في تكاليف الإنتاج وعبر سلسلة التوريد الاقتصادية بأكملها.

في وقت تُعيد فيه التوترات الجيوسياسية إشعال فتيل القلق في أسواق الطاقة الدولية، تسعى المغرب جاهدةً لاحتواء آثار موجة تضخم جديدة. في مواجهة هذا الضغط التضخمي الجديد، تُعيد الحكومة تفعيل إجراءاتها قصيرة الأجل – تثبيت سعر غاز البوتان، واستقرار تعرفة الكهرباء، وتجديد الدعم للشركات – لمنع تحوّل الصدمة المستوردة إلى أزمة اجتماعية.

يُعتبر هذا الإجراء ضرورياً، لكن حدوده بدأت تظهر بالفعل. فبينما يستمر المستهلكون في الاستفادة من بعض الدعم على سلع حساسة معينة، يشهد الفاعلون الاقتصاديون ارتفاعاً في تكاليفهم، وتقلصاً في هوامش الربح، وتراجعاً في النشاط التجاري.

منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، شهدت أسعار الطاقة العالمية ارتفاعًا ملحوظًا. فقد ارتفع سعر برميل النفط بنسبة 44 في المائة، ليصل متوسطه إلى 100 دولار أمريكي، مقارنةً بـ 70 دولارًا قبل بدء النزاع.

وشهد الغاز الطبيعي زيادة بنسبة 75 في المائة، بينما ارتفع سعر الغاز الطبيعي والفحم بنسبة 63 في المائة و21 في المائة على التوالي. ولا يقتصر هذا الارتفاع على قطاع الطاقة فحسب، بل يمتد ليشمل جميع التكاليف المتعلقة بالنقل والإمداد، وبالتالي النشاط الاقتصادي.

وبالنسبة لدولة مستوردة كالمغرب، تتفاقم آثار هذه الزيادة بسرعة في جميع مراحل سلسلة التوريد. وفي هذا السياق، اختارت الحكومة حماية بعض المنتجات الحساسة، ومنها على وجه الخصوص، تثبيت سعر غاز البوتان، المستخدم على نطاق واسع في المنازل، من خلال زيادة كبيرة في الدعم الحكومي.

وقد رُفع الدعم الحكومي لأسطوانة غاز البوتان سعة 12 كيلوغرامًا إلى 78 درهمًا، بعد أن كان 30 درهمًا، بتكلفة شهرية تُقدر بـ 600 مليون درهم من الخزينة العامة. ينطبق المنطق نفسه على الكهرباء، حيث تُحافظ الدولة على أسعارها، وتُغطي العجز من خلال الميزانية العامة.

من حيث المبدأ، الخيار واضح: احتواء الصدمة من مصدرها للحفاظ على القدرة الشرائية قدر الإمكان.لكن خلف هذا الغطاء، تبقى التوترات قائمة، بحيث لا يقتصر تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على أسطوانات الغاز أو فواتير الكهرباء، بل يمتد إلى تكاليف النقل، ويزيد من تكاليف الشحن، ويرفع أسعار السلع المصنعة، ويُضعف في نهاية المطاف قطاعًا إنتاجيًا مُثقلًا بالضغوط.

يشير العديد من الفاعلين الاقتصاديين إلى فرض الأزمة نفسها في مختلف القطاعات، تستنزف التكاليف المتزايدة جزءًا متزايدًا من هوامش أرباحهم، بينما بدأ النشاط التجاري يتباطأ في عدة قطاعات.

هذا التناقض تحديدًا بين الاستقرار الظاهري لبعض الأسعار والضعف الأوسع نطاقًا للاقتصاد الحقيقي هو ما يُؤجج المخاوف الحالية.

وحسب عدد من المراقبين، فالإجراءات المتخذة من قبل الحكومة لا تُؤثر  جميعها بالقدر نفسه، وبخصوص إجراء الإبقاء على أسعار الكهرباء كما هي، لا يمكن التأكد منها إلا بعد توصل الماطنين بفواتير الاستهلاك، التي تعد أساسا مرتفعة.

وبخصوص الدعم الموجه لمهنيي النقل، لم يُثبت هذا الإجراء فعاليته، حسب عدد من المراقبين، بحيث تكمن المشكلة في استهدافه الخاطئ، بحيث يعتمد جزء كبير من نقل البضائع على جهات لا تدخل في فئة المقدم لهم الدعم ك (شاحنات 5 أطنان، ومركبات ثلاثية العجلات، وناقلات حضرية صغيرة)، والذين يؤدون مع ذلك دورًا أساسيًا في توصيل العديد من البضائع، ومع ذلك يستمرون في شراء وقود الديزل بسعر السوق.

و يبقى جزء حيوي من سلسلة الإمداد خارج نطاق التعويض الفعلي، حتى داخل الفئات المدعومة، حيث تكثر التشوهات، فمثلا في النقل المرخص كسيارات الأجرة الكبيرة والصغيرة، لا يكون المستفيد الأساسي من المساعدة بالضرورة هو من يتحمل تكلفة الوقود فعليًا.

فبدل تقديم الدعم مباشرة إلى السائق، يتم دفعه إلى صاحب الرخصة الذي يعد المستفيد الأكبر من كل الإجراءات، لا السائق الذي يتحمل كلفة غلاء المحروقات في المحطات، وبالتالي تبقى المواجهة حاضرة بين السائق والمواطن الذي اكتوى بنيران الزيادات في التنقل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى