التامني لأخنوش: الشباب بين الهجرة والهشاشة.. فأين نتائج السياسات العمومية؟

حسين العياشي

اتهمت النائبة البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، فاطمة الزهراء التامني، الحكومة بالانفصال عن واقع المغاربة، معتبرة أن الخطاب الرسمي لم يعد يكتفي بتجميل المؤشرات، بل بات، في نظرها، أقرب إلى محاولة ممنهجة لإعادة صياغة الواقع بلغة الأرقام، بما يحجب عمق الاختلالات التي تطبع النموذج الاقتصادي والاجتماعي القائم.

وجاء هذا الموقف خلال جلسة مناقشة الحصيلة الحكومية بمجلس النواب، حيث أعادت التامني توجيه النقاش من منطق الأرقام إلى منطق الأثر، مؤكدة أن ما يعيشه المغرب اليوم يتجاوز مجرد تذبذب في المؤشرات، ليعكس أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الخيارات الاقتصادية نفسها، وبكيفية توزيع الثروة وتوجيه السياسات العمومية. فالمشكلة، وفق طرحها، لا تكمن في ضعف الأرقام بقدر ما تكمن في انفصالها عن الواقع المعيش، حيث لا يجد المواطن صدى لهذه “الإنجازات” في تفاصيل حياته اليومية.

وبهذا المعنى، اعتبرت البرلمانية أن الحصيلة الحكومية لا يمكن قراءتها باعتبارها سجل إنجازات، بل كخريطة لاختلالات بنيوية متراكمة، يتقدمها اتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية، واستمرار هشاشة سوق الشغل، إلى جانب تراجع الثقة في المؤسسات، واستفحال مظاهر الريع والفساد، في ظل غياب رؤية اقتصادية واضحة تعطي الأولوية للإنتاج الوطني وتحرير الاقتصاد من الارتهان للاستيراد والمضاربات.

غير أن النقد الذي وجهته التامني لم يقف عند حدود الاقتصاد، بل امتد إلى ما وصفته بأزمة الثقة والديمقراطية، معتبرة أن هذا البعد يشكل جوهر الاختلالات القائمة، وأن أي إصلاح اقتصادي يفقد معناه في غياب بيئة سياسية سليمة تضمن الحريات وتعزز ثقة المواطنين في المؤسسات. وفي هذا السياق، ربطت بين تراجع منسوب الثقة واستمرار ما تعتبره تضييقاً سياسياً، معتبرة أن ذلك يضعف شروط أي انتقال ديمقراطي حقيقي.

وفي قلب هذا السجال، برز ملف الدعم العمومي باعتباره أحد أكثر النقاط إثارة للجدل، حيث توقفت التامني عند حجم الاعتمادات المالية الموجهة لصندوق المقاصة، والتي بلغت 135 مليار درهم، لتطرح سؤالاً جوهرياً حول جدوى هذا الإنفاق الضخم في ظل استمرار موجة الغلاء. فكيف يمكن، وفق تساؤلها، تفسير هذا التناقض بين ارتفاع كلفة الدعم وضعف أثره الاجتماعي، بينما يشعر المواطن بأن قدرته الشرائية تتآكل بشكل متسارع؟

وترى البرلمانية أن هذا الوضع يعكس خللاً عميقاً في آليات توجيه الدعم، حيث يتحول، في غياب إصلاح حقيقي، إلى ما يشبه نزيفاً مالياً لا يصل إلى الفئات المستحقة بالنجاعة المطلوبة، ولا يحدّ من مظاهر الاحتكار داخل السوق، ما يطرح إشكال الحكامة وفعالية السياسات العمومية في تحقيق أهدافها الاجتماعية.

وفي ما يتعلق بملف الاستثمار والتشغيل، شككت التامني في الأثر الواقعي للأرقام التي تقدمها الحكومة، معتبرة أن الإعلان عن مئات المشاريع بمليارات الدراهم لا يجد ترجمته في سوق الشغل. فوعود إحداث فرص العمل، بحسب طرحها، تصطدم بواقع بطالة مستمرة، وشباب يعيش على وقع القلق بدل الأمل، في ظل غياب فرص شغل قارة وأجور تحفظ الكرامة.

ويكشف هذا التناقض، في نظرها، عن فجوة متزايدة بين الخطاب الرسمي والواقع الاجتماعي، حيث يجد جزء من الشباب نفسه أمام خيارات محدودة تتراوح بين الهجرة أو الانسحاب من الدورة الاقتصادية، بينما يواجه آخرون الهشاشة أو التهميش، في غياب سياسات عمومية قادرة على إنتاج أثر ملموس في حياتهم.

ولم تغفل التامني الإشارة إلى ما تعتبره مفارقة صارخة بين شعار “الدولة الاجتماعية” والواقع الذي تعيشه القطاعات الحيوية، خاصة الصحة والتعليم. فبالرغم من توسيع التغطية الصحية ورفع الميزانيات، لا تزال المستشفيات تعاني من الاكتظاظ ونقص الموارد البشرية والتجهيزات، فيما يظل التعليم، وفق تعبيرها، حبيس إصلاحات جزئية لا تعالج جوهر الأزمة، حيث يستمر الاكتظاظ والهدر المدرسي وضعف جودة التعلمات.

وفي ختام مداخلتها، شددت التامني على أن معيار نجاح أي سياسة عمومية لا يقاس بحجم الأرقام المعلنة، بل بقدرتها على إحداث أثر ملموس في حياة المواطنين، مؤكدة أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تسويق المؤشرات، بل في تحويلها إلى واقع يشعر به المواطن في معيشه اليومي، ويعيد بناء جسور الثقة بين الدولة والمجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى