شباب بلا أفق.. والمليارات تُضخ: من يسرق فرص الشغل؟

حسين العياشي
يفضح ملف البطالة في المغرب مفارقةً تكاد تختزل روح المرحلة: حكومة تستثمر بكثافة وتطلق أوراشاً كبرى، لكن سوق الشغل يظلّ متعثراً، وكأن النمو يسير في اتجاه وفرص العمل في اتجاه آخر. فحين يرتفع معدل البطالة بدل أن ينخفض، لا يعود النقاش تقنياً حول الأرقام، بل يتحول إلى مساءلة عميقة لنموذج اقتصادي بأكمله.
سقوط الوعد.. حين يتحول التشغيل إلى أزمة ثقة
من داخل هذا المشهد، لم تعد البطالة مجرد مؤشر اقتصادي، بل تحولت إلى عنوان مركزي لأزمة ثقة؛ ذلك ما يلتقطه بوضوح تقرير مرصد العمل الحكومي، الذي وضع ملف التشغيل في صدارة مكامن التعثر، معتبراً أن سقوط وعد إحداث “مليون منصب شغل” ليس مجرد إخفاق ظرفي، بل انتكاسة تمس جوهر التعاقد السياسي الذي دخلت به الحكومة ولايتها. فقد انتقل معدل البطالة من 11.8% سنة 2021 إلى 13.3% سنة 2024، مع وصول عدد العاطلين إلى نحو 1.63 مليون شخص، وهو مستوى مقلق يعكس عمق الاختلال.
غير أن الأرقام، على قسوتها، لا تحكي القصة كاملة؛ فالأخطر هو توزيع هذه البطالة داخل المجتمع، إذ تكشف المعطيات أن الشباب هم الأكثر تضرراً، بمعدلات تتجاوز 36%، في حين يجد الخريجون أنفسهم أمام سوق عاجز عن استيعاب مؤهلاتهم، ما يطرح سؤالاً مؤلماً: ما فائدة التعليم حين لا يقود إلى التشغيل؟
برامج بلا أثر كافٍ.. حين تتعثر السياسات أمام الواقع
في المقابل، لم تكن السياسات العمومية غائبة. برامج مثل “أوراش” و“فرصة” أُطلقت، واستثمارات عمومية ضخمة تم ضخها في الاقتصاد، لكن تقرير المرصد يذهب أبعد من ذلك، حين يشير إلى أن هذه البرامج، رغم أهميتها الاجتماعية، ظلت محدودة الأثر أمام حجم الطلب الحقيقي في سوق الشغل، ما يكشف أن الإشكال ليس في غياب المبادرات، بل في قدرتها على إحداث تحول فعلي في بنية التشغيل.
وهنا تظهر المفارقة الأكثر إيلاماً: في الوقت الذي ارتفع فيه الاستثمار العمومي بشكل غير مسبوق، قفز من حوالي 230 مليار درهم سنة 2021 إلى ما يقارب 380 مليار درهم في أفق 2026، ظل أثر هذا الجهد ضعيفاً على مستوى خلق فرص الشغل. وكأن الاقتصاد ينجح في بناء الطرق والموانئ، لكنه يعجز عن فتح أبواب العمل.
اقتصاد رهين المناخ.. ونمو بلا إدماج
تفسير هذه المفارقة لا يقف عند حدود الأرقام، بل يمتد إلى طبيعة النمو نفسه. فالتقرير يلفت إلى أن فقدان مناصب الشغل في القطاع الفلاحي، الذي خسر وحده حوالي 137 ألف منصب سنة 2024 بفعل الجفاف، لم يُقابل بخلق فرص بديلة كافية في الصناعة والخدمات، ما عمّق هشاشة سوق الشغل، خاصة في العالم القروي. هنا يتجلى الخلل البنيوي: اقتصاد لا يزال رهيناً بالمناخ، أكثر مما هو قائم على الإنتاجية والتنوع.
وإذا كان البعض قد يشير إلى تحسن طفيف في بعض المؤشرات خلال 2025، فإن هذه التحركات تظل محدودة أمام عمق الأزمة، حيث يستقر معدل البطالة حول 13% مع استمرار الضغط على فئات واسعة، خصوصاً الشباب. وهو ما يعزز الانطباع بأننا أمام استقرار في الأزمة، لا حلٍّ لها.
فجوة الإدراك.. حين لا يشعر المواطن بنتائج السياسات
لكن ما يجعل هذا الملف أكثر حساسية، هو ارتباطه المباشر بالإحساس المجتمعي. فالتقرير لا يكتفي برصد الأرقام، بل يشدد على فجوة متزايدة بين “الإنجاز المؤسساتي” و“الإدراك المجتمعي”، أي بين ما تقوله السياسات، وما يشعر به المواطن. وهي فجوة تغذيها البطالة بقدر ما تغذيها الأسعار، لأن الشغل ليس مجرد دخل، بل إحساس بالكرامة والاستقرار.
في هذا السياق، لم يعد السؤال هو كم استثمرت الدولة، بل ماذا خلقت هذه الاستثمارات من فرص. ولم يعد الرهان هو إطلاق البرامج، بل قدرتها على تغيير الواقع. فالبطالة، كما يكشفها تقرير المرصد، ليست مجرد أزمة رقمية، بل تعبير عن حدود نموذج تنموي لم ينجح بعد في تحويل النمو إلى إدماج، والاستثمار إلى شغل، والسياسات إلى أثر محسوس.
وبين وعودٍ لم تتحقق، وبرامج لم تبلغ مداها، يبقى التحدي الأكبر هو إعادة ربط الاقتصاد بسوق الشغل، حتى لا تظل البطالة عنواناً دائماً لفجوة تتسع… بين ما يُبنى في الأعلى، وما يُفقد في الأسفل.





