الساعة الإضافية تحت المجهر.. دراسة تكشف “الحقيقة الصادمة” التي لا تقال

حسين العياشي
تقرير – يعيد الجدل حول الساعة الإضافية في المغرب نفسه إلى الواجهة، لكن هذه المرة بنبرة أكثر حدّة وعمقا، بعدما كشفت دراسة حديثة أن ما يقدَّم باعتباره خياراً تقنياً لتحسين النجاعة الطاقية، يخفي في الواقع كلفة اجتماعية وصحية ثقيلة، مقابل مردودية محدودة لا تتجاوز عتبة 0,5 في المائة.
ففي الوقت الذي تتواصل فيه حملة توقيعات واسعة تطالب بإلغاء هذا التوقيت، دون أن تجد صدى حكومياً واضحاً، تذهب المعطيات الجديدة إلى تفكيك إحدى أبرز الحجج التي بني عليها هذا القرار، لتضعه في ميزان الكلفة والفائدة، حيث تبدو الكفة راجحة بشكل واضح لصالح الأضرار اليومية التي يتحملها المواطنون.
الدراسة، التي أنجزها مركز سنابل للدراسات والسياسات العامة، لا تكتفي بوصف الانزعاج العام الذي يشعر به المغاربة، بل تربطه بأساس علمي دقيق يتعلق بالاختلال الذي يحدثه هذا التوقيت في الساعة البيولوجية للإنسان. فالفارق بين التوقيت الرسمي والتوقيت الشمسي، خاصة خلال فصل الشتاء، لا يمر دون أثر، بل ينعكس في صورة تعب مزمن، وصعوبة في الاستيقاظ، وتراجع في القدرة على التركيز، إلى جانب اضطرابات نفسية متفاوتة تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية دون أن تُلتقط دائماً في السياسات العمومية.
وإذا كان البالغون يواجهون هذه التحولات بصعوبة، فإن الفئات الأكثر هشاشة تدفع الثمن الأكبر. فالأطفال والمراهقون، بحسب الدراسة، يتأثرون بشكل أعمق بهذا الاختلال الزمني، حيث يؤدي تقليص ساعات النوم إلى تراجع في التحصيل الدراسي واضطراب في التركيز داخل الأقسام، في وقت يفترض أن توفر المدرسة فضاءً مستقراً يساعد على التعلم، لا عاملاً إضافياً للضغط.
ولا يقف الأثر عند حدود الفصل الدراسي، بل يمتد إلى داخل البيوت، حيث يتحول الزمن إلى مصدر توتر يومي. آباء يحاولون ضبط إيقاع أبنائهم، وأطفال يستيقظون على عجل في أجساد لم تستكمل راحتها، ومواعيد أكل ونوم تفقد انتظامها تدريجياً، في مشهد يعكس خللاً أعمق من مجرد تغيير في عقارب الساعة.
وفي القرى، يكتسب هذا الخلل بعداً آخر أكثر قسوة، إذ يضطر عدد من التلاميذ إلى مغادرة منازلهم في ساعات يغلب عليها الظلام، ما يطرح إشكالات حقيقية مرتبطة بالسلامة، خاصة بالنسبة للفتيات، ويحوّل الطريق إلى المدرسة إلى تجربة يومية محفوفة بالمخاطر بدل أن تكون امتداداً طبيعيا لمسار التعلم.
غير أن المفارقة التي تثيرها الدراسة لا تتعلق فقط بهذه التداعيات، بل تمتد إلى جوهر المبررات التي قامت عليها الساعة الإضافية. فحجج تقليص استهلاك الطاقة أو ملاءمة التوقيت مع الشركاء الاقتصاديين تبدو اليوم أقل إقناعاً، في ظل تحولات عميقة يعرفها الاقتصاد وأنماط العمل، حيث أصبح العمل عن بُعد والتنسيق الرقمي يخففان من وطأة الفوارق الزمنية، ويعيدان طرح سؤال الجدوى بشكل أكثر إلحاحا.
أمام هذه المعطيات، تقترح الدراسة العودة إلى التوقيت القانوني الطبيعي للمملكة، باعتباره الأكثر انسجاما مع الموقع الجغرافي والإيقاع الشمسي، مع التفكير في بدائل أكثر نجاعة، مثل تعزيز سياسات النجاعة الطاقية، وتشجيع أنماط العمل المرنة، وإعادة النظر في الزمن المدرسي بما يتلاءم مع الفصول.
لكن أبعد من الحلول التقنية، تفتح هذه الخلاصات نقاشا أوسع حول كيفية اتخاذ القرارات المرتبطة بالزمن العمومي، ومدى استنادها إلى تقييمات دورية شاملة تأخذ بعين الاعتبار ليس فقط مؤشرات الاستهلاك والإنتاجية، بل أيضاً صحة المواطنين وجودة حياتهم وتوازنهم النفسي.
وبين صمت حكومي متواصل وضغط مجتمعي متصاعد، يبدو أن الساعة الإضافية لم تعد مجرد خيار تنظيمي، بل تحولت إلى مرآة تعكس سؤالا أعمق: أي زمن نريده لمجتمع يسعى إلى التوازن بين متطلبات الاقتصاد وحق الإنسان في حياة أكثر انسجاما مع طبيعته؟





