بعد ارتفاعات أبريل.. هل نحن أمام موجة جديدة تضرب القدرة الشرائية؟

حسين العياشي

تعود أسعار المحروقات لتفرض نفسها في قلب القلق اليومي للمغاربة، مع كل اهتزاز جديد في أسواق الطاقة العالمية، حيث لم تعد التوترات في مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط مجرد أخبار بعيدة، بل مؤشرات مباشرة على ضغط قادم يهدد القدرة الشرائية للأسر. وبين تسارع الأحداث في الخارج وترقب الداخل، يتجدد السؤال الذي لم يغادر النقاش منذ سنوات: إلى أي حد سيدفع المواطن كلفة هذه الاضطرابات الدولية؟

هذا القلق لم يعد محصوراً في الأوساط الاقتصادية أو السياسية، بل امتد إلى الفضاء الرقمي، حيث عبّر آلاف المغاربة عن تخوفهم من زيادات وشيكة في أسعار الوقود خلال الأيام المقبلة، في ظل استمرار تقلبات السوق الدولية. ويأتي هذا التوجس في سياق ما تزال فيه الذاكرة الجماعية تحتفظ بصدمة الزيادات الأخيرة التي شهدها شهر أبريل، حين قفز سعر الغازوال بشكل لافت من 12.80 إلى 15.48 درهماً للتر، بينما تجاوز سعر البنزين عتبة 15.50 درهماً، في ارتفاع فجّر موجة استياء واسعة.

غير أن ما يمنح هذا القلق بعداً أعمق، هو الإحساس المتنامي لدى فئات واسعة من المواطنين بأن أسعار المحروقات في المغرب لم تعد تعكس فقط تقلبات السوق الدولية، بل تخضع أيضاً لاختلالات داخلية في آليات التسعير، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول حدود المنافسة وشفافية السوق.

في هذا السياق، يقدّم الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية لصناعات البترول والغاز ورئيس الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول، قراءة مختلفة للأرقام المتداولة، معتبراً أن الأسعار الحالية تتجاوز بكثير ما تبرره المعطيات الموضوعية للسوق. فبناءً على ما يُعرف بالتركيبة القديمة للأسعار، التي كانت معتمدة قبل تحرير القطاع سنة 2015، وبالاستناد إلى متوسط أسعار النفط في السوق الدولية وسعر صرف الدولار وكلفة النقل والتأمين والتخزين، فإن السعر المفترض للغازوال، وفق تقديره، لا ينبغي أن يتجاوز 13.64 درهماً للتر، فيما يُفترض ألا يتعدى سعر البنزين 13.27 درهماً خلال النصف الأول من ماي 2026.

هذا الفارق بين السعر “المفترض” والسعر المطبق فعلياً في السوق، يقرأه اليماني باعتباره مؤشراً على ما يسميه “أرباحاً فاحشة”، تتجاوز بكثير هوامش الربح التي كانت تحددها الدولة قبل تحرير الأسعار. ويستحضر في هذا الإطار معطيات لجنة استطلاع برلمانية كانت قد قدرت أرباح شركات المحروقات بحوالي 17 مليار درهم خلال سنتي 2016 و2017، قبل أن ترتفع، وفق تقديرات الجبهة التي يرأسها، إلى ما يقارب 90 مليار درهم مع نهاية سنة 2025.

وتعيد هذه الأرقام إحياء النقاش حول الحصيلة الفعلية لقرار تحرير أسعار المحروقات، الذي تم اعتماده نهاية سنة 2015، والذي كان يُفترض، وفق فلسفته الأصلية، أن يعزز المنافسة ويؤدي إلى توازن طبيعي في الأسعار. غير أن الواقع، كما يراه عدد من المتتبعين، سار في اتجاه مختلف، حيث ارتفعت أرباح الفاعلين في السوق، في مقابل تآكل متواصل للقدرة الشرائية للمواطنين.

ويضع هذا الوضع السياسات العمومية أمام اختبار دقيق، خاصة إذا ما استُحضر السياق التاريخي الذي ظلّت فيه الحكومات المتعاقبة، منذ الاستقلال، تتعامل بحذر مع ملف المحروقات، إدراكاً لحساسيته وتأثيره المباشر على الاستقرار الاجتماعي. وهو ما يجعل قرار رفع الدعم وتحرير الأسعار نقطة تحول مفصلية ما تزال تداعياتها تُلقي بظلالها على المشهد الاقتصادي والاجتماعي.

ومع استمرار التوترات في الشرق الأوسط واحتمال تفاقمها، تبدو سوق المحروقات في المغرب أكثر عرضة لموجات جديدة من الارتفاع، في ظل غياب أدوات ضبط فعالة تعيد التوازن بين منطق السوق ومتطلبات العدالة الاجتماعية. وبين أرقام الأسواق العالمية وضغوط الداخل، يجد المواطن نفسه مرة أخرى في قلب معادلة معقدة، يدفع كلفتها بشكل مباشر، بينما يستمر الجدل حول من يضبط فعلياً أسعار الوقود في البلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى