بين إشعاع مهرجان الورود وأزمة السوق.. الورد العطري بقلعة مكونة يفضح عجز منظومة التسويق (روبورتاج)

أميمة حدري 

مع انبلاج الفجر فوق سفوح قلعة مكونة، تبدأ الحقول في بث عطرها المعتاد، وتخرج الأيادي المتعبة إلى مساحات الورد العطري كما اعتادت كل ربيع، تجمع الزهرات بعناية وتضعها في السلال أملا في يوم أفضل.

غير أن المشهد هذا الموسم لا يشبه مواسم الفرح التي ارتبطت بهذه الأرض، إذ تحولت الوفرة التي انتظرها الفلاحون طويلا إلى عبء ثقيل، بعدما وجد كثير منهم أنفسهم أمام محصول وفير وسوق عاجزة عن الاستيعاب.

وفرة في الحقول وركود في الأسواق

وفي هذه المنطقة التي ارتبط اسمها بالورد وصار جزءا من هويتها الاقتصادية والاجتماعية، لم يكن الإنتاج هذه السنة هو المشكلة. الأمطار التي هطلت خلال الفترات الماضية أعادت الحياة إلى التربة، ومنحت الشجيرات موسما سخيا، فامتلأت الحقول باللون الوردي، وتعالت روائح الزهر في الممرات والوديان.

غير أن ما بدا في البداية بشارة خير، سرعان ما انقلب إلى مصدر قلق، حين اصطدم الفلاحون بضعف الطلب، وتراجع حركة الشراء، وتعثر عدد من الوحدات التحويلية في الانطلاق أو العمل بطاقتها المعتادة.

وفي الطرقات المؤدية إلى مراكز التجميع، تظهر ملامح الانتظار أكثر من ملامح الحركة. رجال ونساء يحملون محصول ساعات طويلة من العمل، يترقبون من يشتري، أو ينتظرون دورهم أمام تعاونيات لا تستطيع استقبال كل الكميات المعروضة. بعضهم يعود بجزء من المحصول، وبعضهم يعود به كله، بينما تمضي الساعات الأولى من النهار مثقلة بالحيرة والأسئلة.

وفي خضم هذا الواقع، قال عمر اليمني مسير تعاونية ورود امليل إن الموسم الحالي عرف وفرة كبيرة في المنتوج بفضل التساقطات المطرية المهمة التي شهدتها المنطقة منذ السنة الماضية، موضحا أن هذه الوفرة شملت الفلاحين الصغار وكبار المستثمرين على حد سواء.

وأضاف في تصريح لـ “إعلام تيفي” أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في الإنتاج، بل في التسويق داخل المنطقة وخارجها، مشيرا إلى أن عددا من المعامل والوحدات التحويلية لم تنطلق في العمل هذا الموسم، فيما تشتغل وحدات أخرى بطاقة استيعابية محدودة، وهو ما تسبب في حالة ركود أثرت بشكل مباشر على الأسعار.

كلمات اليمني تختصر مشهدا معقدا، فالفلاح الذي تعب في خدمة أرضه لا يطلب أكثر من سوق عادلة تضمن له ثمنا منصفا. لكن وفرة العرض مقابل محدودية الطلب جعلت الأسعار تتراجع مقارنة بالسنوات الماضية، وأصبح كثير من المنتجين غير قادرين على تغطية مصاريف الجني والنقل وأجور العمال الموسميين الذين يعتمدون بدورهم على هذا الموسم لتأمين جزء من قوتهم السنوي.

التجفيف.. حل اضطراري أمام انهيار الأسعار

ولا تقتصر الأزمة على الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى البعد الاجتماعي الذي يحيط بزراعة الورد العطري. فالمنطقة تعرف كل سنة حركة موسمية واسعة، حيث تنخرط نساء كثيرات في قطف الورد وفرزه، ويجد شباب القرى فرص عمل مؤقتة في النقل والتجميع والخدمات المرتبطة بالموسم.

ومع تراجع المداخيل، يتقلص الأثر الاقتصادي الذي كان ينعش الحياة المحلية، وتزداد المخاوف من أن يتحول الموسم من فرصة للرزق إلى محطة للخسارة.

وفي الحقول، لا يزال الورد يتفتح كما لو أن شيئا لم يتغير. الطبيعة تؤدي دورها كاملا، لكن السوق تخذل من يعتمدون عليها.

كثير من الفلاحين صاروا يلجؤون إلى تجفيف المحصول بدل بيعه بأثمان متدنية، أملا في تسويقه لاحقا بسعر أفضل. غير أن هذا الخيار، وإن بدا مخرجا مؤقتا، لا يلغي حقيقة الأزمة، لأن التخزين يحتاج بدوره إلى إمكانيات وشروط لا تتوفر للجميع.

ويرى اليمني أن ما يحدث اليوم يكشف حاجة هذا القطاع إلى تنظيم أعمق، يبدأ بوضع آليات واضحة لتدبير العلاقة بين المنتجين والوحدات التحويلية، ويمر عبر توسيع قنوات التسويق وطنيا ودوليا، وينتهي عند تثمين المنتوجات المشتقة من الورد العطري، حتى لا يبقى الفلاح رهينة البيع الخام وتقلبات المواسم.

كما تتعالى الدعوات إلى اعتماد ثمن مرجعي سنوي يشكل أرضية تفاوضية تضمن الحد الأدنى من الاستقرار، وتمنح الفلاح قدرة أكبر على التخطيط لمصاريفه واستثماراته. فالموسم الزراعي ليس مجرد أيام للجني، بل سنة كاملة من العناية والسقي والتقليم والانتظار، ولا يمكن أن ينتهي بثمن لا يوازي الجهد المبذول.

قلعة مكونة التي صنعت من الورد شهرة تتجاوز الحدود، تجد نفسها اليوم أمام سؤال حقيقي: كيف يمكن تحويل هذا الإرث الطبيعي إلى قوة اقتصادية مستدامة؟ فالمهرجانات والاحتفاء الرمزي يمنحان الصورة بريقا، لكن الفلاح يحتاج إلى ما هو أبعد من الصور؛ يحتاج إلى سوق عادلة، وبنية تحويلية قوية، وسياسات تجعل من العطر الذي يملأ المكان مصدر كرامة لمن يزرعونه.

وهكذا، بينما تستمر الورود في التفتح كل صباح، يبقى القلق مفتوحا في صدور كثيرين. فالحقول تمنح بسخاء، لكن العدالة الاقتصادية لا تزال مؤجلة، والفلاح الصغير يواصل الانتظار بين رائحة الزهر وثقل الخسارة، مترقبا تدخلا يعيد لهذا الموسم معناه الحقيقي، ويجعل من الوفرة نعمة لا عبئا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى