الحيطي ل”إعلام تيفي”: تحرك داخل الأمم المتحدة لصياغة قواعد تمويل المناخ وربط الديون بالكوارث البيئية

المهدي سابق
كشفت الدكتورة حكيمة الحيطي، عضو المجلس الاستشاري للأمم المتحدة لبرنامج صفر نفايات، ورئيسة شرفية لـ الليبرالية الدولية، الوزيرة السابقة المنتدبة المكلفة بالبيئة، أن الدول الإفريقية استطاعت، خلال الأشهر الأخيرة، فرض تحول ملحوظ في طبيعة النقاش داخل المؤسسات المالية الدولية، عبر إدراج قضايا العدالة المناخية والعبء المزدوج للديون والمناخ ضمن صلب الأجندة، خاصة داخل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي
تحول في ميزان النقاش داخل المؤسسات المالية الدولية
في تصريح خصت به “إعلام تيفي”، أوضحت الحيطي أن هذا التطور يمثل “أول أثر ملموس” لتحرك إفريقي جماعي، نجح في نقل النقاش من مستوى المطالب العامة إلى مستوى التأثير في أولويات السياسات.
مضيفة أن مؤشرات عملية بدأت تظهر، من بينها طرح آليات لتعليق سداد الديون في حال وقوع كوارث مناخية، وتزايد الاعتراف بضرورة تمويل التكيف بنفس أهمية تمويل التخفيف من الانبعاثات.
غير أنها أكدت، في تقييم وصفته بـ”الواقعي”، أن هذه الخطوات “لا تزال في إطار الالتزامات السياسية”، ولم تتحول بعد إلى إصلاحات هيكلية عميقة داخل هذه المؤسسات، وهو ما يعكس استمرار التوازنات التقليدية في النظام المالي الدولي.
وفي ما يتعلق بإعادة التوازن في العلاقة مع الجهات المانحة، اعتبرت الحيطي أن هذا المسار “أصبح حتميا”، رغم استمرار الفوارق في القوة الاقتصادية والتفاوضية.
وأشارت المسؤولة إلى أن إفريقيا لم تعد في موقع المتلقي الضعيف، بل باتت تمتلك أوراق قوة جديدة، في مقدمتها ثرواتها المعدنية الاستراتيجية، مثل الكوبالت والليثيوم والمنغنيز، التي تجعل منها فاعلا محوريا في سلاسل القيمة العالمية المرتبطة بالتحول الطاقي.
كما أبرزت أن التنسيق الجماعي بين الدول الإفريقية، عبر أطر تفاوض مشتركة، يعزز من هذا الحضور، إلى جانب العمل على تطوير أدوات مالية مستقلة، تشمل التفكير في إنشاء وكالة إفريقية للتصنيف الائتماني، وتوسيع أسواق الدين المحلية، بهدف تقليص الاعتماد على التمويل الخارجي وإعادة صياغة العلاقة مع الدائنين.
التحول المناخي بين الالتزامات السياسية والإصلاحات الهيكلية
وفي السياق نفسه ، شددت الحيطي على أن التحدي الأكبر يتمثل في التوفيق بين متطلبات التحول البيئي وأولويات التنمية، معتبرة أن “التمويل المناخي يجب ألا يتحول إلى أداة لفرض قيود جديدة على الدول النامية”. موضحة أن الأولويات الإفريقية تظل مرتبطة بالأمن الغذائي والمائي والاستقرار الاجتماعي، وهو ما يفرض اعتماد مقاربة تنموية متوازنة.
وأضافت أن الحل يكمن في تحول هيكلي للاقتصادات الإفريقية، يقوم على الانتقال من تصدير المواد الخام إلى بناء سلاسل قيمة صناعية محلية منخفضة الكربون، وهو توجه تدعمه مؤسسات قارية مثل البنك الإفريقي للتنمية من خلال برامج موجهة للتكيف مع التغيرات المناخية وتعزيز البنية التحتية الخضراء.
من الديون إلى المناخ.. رهانات إعادة صياغة النظام المالي الدولي
وعن الخطوات المرتقبة، كشفت الحيطي أن المرحلة الحالية تركز على تحويل الالتزامات إلى آليات عملية، مشيرة إلى تحركات داخل منظومة الأمم المتحدة لإطلاق مبادرات تربط بين الدين والمناخ، من بينها إدماج بنود تلقائية لتعليق سداد الديون في حالات الكوارث البيئية. كما يجري الدفع نحو تفعيل آليات “مبادلة الدين مقابل المناخ”، التي تسمح بتحويل جزء من الديون إلى استثمارات في مشاريع بيئية.
بالتوازي مع هذه المعطيات، استعرضت الحيطي، في تدوينة نشرتها على صفحتها، حصيلة شهر وصفته بـ”المكثف دبلوماسيا”، تخللته لقاءات مع عدد من صناع القرار الدوليين. وكتبت أن “الصوت المغربي والإفريقي أصبح يسمع اليوم بقدر كبير من الهيبة والوقار داخل المحافل الدولية”، في إشارة إلى تحول تدريجي في موقع القارة داخل هذه الفضاءات.
وفي سرد أقرب إلى الشهادة، تحدثت عن لقاءات “تم فيها التعبير بوضوح وبدون مجاملة” عن رفض تحميل الدول الإفريقية كلفة حماية المناخ في ظل استمرار عبء الديون، مع التأكيد على أن السيادة الوطنية يجب أن تكون في صلب أي شراكة دولية.
كما أشارت إلى مشاركتها إلى جانب أكثر من خمسين دولة في مؤتمر دولي، تم خلاله التأكيد على ضرورة وضع حد لأنماط الاستهلاك المدمرة، ومساءلة الشركات التي تساهم في تلويث البيئة والإضرار بصحة المواطنين، معتبرة أن القضية تتجاوز البعد البيئي لتشمل حماية الصحة العامة وسيادة الدول على مواردها.
وتوقفت الحيطي عند المحطات المقبلة، خاصة خلال شهر مايو، الذي وصفته بـ”شهر إفريقيا”، حيث يرتقب عقد لقاءات دولية في عدد من العواصم، من بينها نيروبي ولندن، مؤكدة أن الحضور الإفريقي لن يكون “كمتلقي للمساعدة، بل كشريك كامل يفاوض من موقع الندية والاحترام المتبادل”.
وفي قراءة أوسع للسياق الدولي، ربطت الحيطي بين تصاعد النزاعات المسلحة وتفاقم التغير المناخي، معتبرة أن الحروب لا تؤدي فقط إلى خسائر بشرية، بل تسهم أيضاً في زيادة الانبعاثات وتدمير الأنظمة البيئية، ما يضاعف من هشاشة الكوكب.
وتخلص هذه الرؤية إلى أن التحدي الأكبر الذي يواجه المجتمع الدولي لم يعد مقتصرا على إدارة الأزمات، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تعريف أولويات العمل المشترك، في عالم تتزايد فيه الحاجة إلى توازن جديد بين متطلبات التنمية وحماية البيئة.





