البوز: نتائج الانتخابات الجماعية الجزئية لا تعكس بالضرورة تركيبة المشهد السياسي المقبل

المهدي سابق

خبر_عرفت عدد من الجماعات الترابية بمختلف جهات المملكة خلال هذا الأسبوع انتخابات جماعية جزئية، أسفرت عن تصدر حزب التجمع الوطني للأحرار بـ102 مقعد، وجاء في المرتبة الثانية حزب الأصالة والمعاصرة بـ66 مقعدا، فيما حل حزب الاستقلال وباقي الأحزاب السياسية في مراتب لاحقة بأرقام متفاوتة.

وتأتي هذه النتائج في سياق سياسي وحكومي يطغى عليه نقاش متصاعد حول الأداء الحكومي وتدبير عدد من الملفات الاجتماعية والاقتصادية، في ظل انتقادات توجه للحكومة بخصوص غلاء المعيشة وتحديات التشغيل والخدمات العمومية، وهو ما يجعل القراءة السياسية لهذه الاستحقاقات الجزئية محاطة بعدة مؤشرات ظرفية.

في هذا السياق، قدّم الدكتور أحمد البوز الأكاديمي وأستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالرباط في تصريحه لــ” إعلام تيفي”، قراءة مرتبطة بنتائج الانتخابات الجماعية الجزئية الأخيرة، مؤكدا أن هذا النوع من الاستحقاقات يظل محدود الدلالة من الناحية السياسية ولا يمكن إسقاطه بشكل مباشر على موازين القوى الوطنية أو على الانتخابات التشريعية المقبلة.

كما أوضح البوز أن هذه الانتخابات، رغم شمولها عددا من الجماعات عبر جهات مختلفة من المملكة، تظل “انتخابات محلية وجزئية” تحكمها بالأساس اعتبارات القرب والعلاقات الاجتماعية وشبكات النفوذ المحلي، أكثر مما تحكمها التوجهات السياسية الوطنية الكبرى.

وأضاف أن طبيعة الانتخابات الجماعية في المغرب تجعلها أقرب إلى منطق التدبير المحلي منها إلى الاختيار السياسي الوطني، مبرزا أن حسم النتائج يتم غالبا وفق توازنات ميدانية ترتبط بالأعيان وبالعلاقات المباشرة داخل المجالين القروي وشبه الحضري، إضافة إلى حسابات التحالفات المحلية.

وشدد المتحدث على أن التجربة الانتخابية المغربية تظهر أن نتائج الانتخابات الجماعية لا تعكس بالضرورة التوازنات الحقيقية في الانتخابات التشريعية، مشيرا إلى أن عددا من الأحزاب ذات الحضور الإداري أو المحلي القوي تتمكن عادة من تحقيق نتائج متقدمة في هذا النوع من الاستحقاقات، دون أن يعني ذلك امتداد نفس الدينامية على المستوى الوطني.

وفي ما يتعلق بإمكانية قراءة أي تحولات في الخريطة السياسية الوطنية بناء على هذه النتائج، اعتبر البوز أن أي تغيير جذري يظل غير مرجح اعتمادا على انتخابات جزئية، مؤكدا أن إسقاط هذه المعطيات على المستوى التشريعي “غير دقيق منهجيا”.

كما أوضح أن فوز بعض الأحزاب في الانتخابات الجماعية، مثل حزب التجمع الوطني للأحرار أو حزب الأصالة والمعاصرة أو حزب الاستقلال، يندرج ضمن ما وصفه بـ”المنظومة الطبيعية” لهذه الاستحقاقات، مبرزا أن التاريخ الانتخابي المغربي يظهر أن حتى أحزابا كبرى، مثل العدالة والتنمية أو الاتحاد الاشتراكي، لم تكن في الغالب تتصدر هذا النوع من الانتخابات حتى في فترات قوتها السياسية.

وختم البوز تصريحه بالتأكيد على أنه لا يفضل التعليق على تفاصيل انتخابية جزئية، معتبرا أن تحليل مثل هذه المعطيات يحتاج إلى مسافة زمنية وسياقية أوسع، بما يسمح بقراءة أكثر توازنا وموضوعية.

ويرى متابعون للشأن الحزبي أن هذه النتائج تعكس استمرار حضور حزب التجمع الوطني للأحرار في الخريطة الانتخابية المحلية، خاصة بعد مرحلة طبعها الجدل المرتبط بالأداء الحكومي وتداعيات الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، ما يجعل هذه الحصيلة قابلة للقراءة في سياق سياسي أوسع يتجاوز بعدها المحلي المباشر.

وفي هذا السياق، تشير القراءة الأولية إلى أن الانتخابات الجزئية، رغم محدودية نطاقها الترابي والسياسي مقارنة بالاستحقاقات العامة، غالبا ما تستعمل كمؤشر لقياس دينامية الأحزاب على المستوى المحلي وقدرتها على الحفاظ على شبكاتها التنظيمية والتعبوية، في ظل توازنات يغلب عليها منطق القرب والتأثير المباشر داخل الدوائر الانتخابية.

وتضيف هذه القراءة أن تقدم حزب التجمع الوطني للأحرار في عدد المقاعد المحصل عليها يمكن اعتباره مؤشرا على استعادة جزء من زخمه الانتخابي، خصوصا في عدد من الجماعات التي تعرف تنافسا سياسيا تقليديا بين مكونات الأغلبية، حيث يظل العامل المحلي حاسما في توجيه سلوك الناخبين.

كما يربط متابعون هذه النتائج بقدرة الحزب على الحفاظ على حضوره الميداني وتدبير التحالفات المحلية، إلى جانب استفادته من موقعه داخل الحكومة، وهو ما مكنه من تحقيق نتائج متقدمة في استحقاقات غالبا ما تتحكم فيها الحسابات المحلية وشبكات القرب أكثر من الرهانات السياسية الوطنية الكبرى.

وبينما تقرأ هذه النتائج في إطارها الجزئي والمحدود، فإنها تظل، وفق هذه التقديرات، جزءا من مؤشرات دينامية مستمرة داخل الخريطة الحزبية، تعكس توازنات ظرفية في انتظار محطات انتخابية أكثر شمولا قد تعيد ترتيب موازين القوى بين الفاعلين السياسيين على المستوى الوطني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى