“الخدمة كاينة بـ400 درهم فاليوم”.. السعدي يحمّل فيها الشباب مسؤولية البطالة

حسين العياشي

متابعة_أشعلت تصريحات لحسن السعدي، رئيس الفيدرالية الوطنية للشبيبة التجمعية، موجة واسعة من الجدل والسخرية على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما تحول مقطع فيديو يوثق لتدخله في لقاء تواصلي بمدينة بني ملال إلى مادة دسمة للتعليقات الغاضبة والساخرة، ليس فقط بسبب مضمون ما قاله، بل أيضا بسبب الطريقة التي بدا بها وكأنه يتحدث عن مغرب آخر لا يشبه ذلك الذي يعيشه ملايين الشباب يوميا.

السعدي، الذي حاول الدفاع عن وضعية التشغيل بالمغرب، تحدث بثقة لافتة وهو يردد أن البطالة ليست سوى نتيجة لغياب الرغبة في العمل، قائلا إن “غير اللي ما بغاش يخدم” هو من يشتكي من انعدام فرص الشغل. ولم يتوقف عند هذا الحد، بل استحضر مثالا من مدينة تارودانت، حيث قال إن بعض العمال يشتغلون إلى حدود منتصف النهار مقابل 400 درهم يوميا، مقدما ذلك باعتباره دليلا على أن فرص العمل موجودة لمن يريدها.

غير أن هذا الخطاب، الذي بدا بالنسبة إلى كثيرين أقرب إلى “تبسيط فج” لأزمة اجتماعية معقدة، سرعان ما ارتد على صاحبه. فالمغاربة الذين يتابعون يوميا احتجاجات حاملي الشهادات، ويشاهدون طوابير الباحثين عن العمل، ويعيشون تحت ضغط الغلاء والهشاشة، وجدوا أنفسهم أمام مسؤول سياسي يختزل معضلة البطالة في معادلة صادمة: “الخدمة كاينة.. والمشكل في الشباب”. وهي العبارة التي اعتبرها كثيرون نوعا من التنصل السياسي من المسؤولية، بل وإلقاء اللوم على الضحايا بدل مساءلة السياسات العمومية التي عجزت عن خلق فرص شغل مستقرة تحفظ الكرامة.

وما زاد من حدة التفاعل، أن المثال الذي استند إليه السعدي لم يكن يتعلق بوظائف قارة أو بمشاريع اقتصادية منتجة، بل بعمل موسمي شاق داخل الضيعات الفلاحية، وهي مهن ترتبط غالبا بفترات محدودة من السنة، وتفتقد في كثير من الأحيان إلى أبسط شروط الاستقرار والحماية الاجتماعية. لذلك رأى كثيرون أن المسؤول الحزبي لم يقدم حلا حقيقيا للبطالة، بقدر ما قدم صورة تختزل أحلام الشباب المغربي في “خدمة موسمية” قد تنتهي بانتهاء الموسم الفلاحي نفسه.

اللافت في هذا الجدل، أنه أعاد إلى الواجهة واحدة من أعمق أزمات الخطاب السياسي في المغرب؛ تلك الهوة المتسعة بين اللغة التي يتحدث بها بعض السياسيين، والواقع الذي يعيشه المواطنون. فبينما تتحدث الأرقام الرسمية عن ارتفاع معدلات البطالة، خاصة وسط الشباب وحاملي الشهادات، يخرج بعض الفاعلين السياسيين بخطابات توحي وكأن الأزمة مجرد “سوء فهم” أو ضعف في الإرادة الفردية. وهو ما يجعل جزءا من الرأي العام يشعر بأن معاناته لا تجد من يصغي إليها بقدر ما تجد من يستخف بها.

ولم يكن مستغربا، بعد ذلك، أن يتحول فيديو السعدي إلى واحدة من أكثر اللقطات السياسية تداولا خلال الأيام الأخيرة، بعدما انتقل من محاولة للدفاع عن الحصيلة الحكومية إلى مادة للسخرية الجماعية والنقد الحاد. فبدل أن يقنع الشباب بأن الحكومة تمتلك حلولا حقيقية لأزمة التشغيل، بدا وكأنه يوجه إليهم رسالة قاسية مفادها: “إذا كنت عاطلا.. فالمشكل فيك أنت”. وهي الرسالة التي فجرت موجة غضب واسعة، لأن البطالة في نظر آلاف الشباب لم تعد مجرد رقم في الإحصائيات، بل جرح يومي يمس الكرامة والأمل والإحساس بالمستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى