حين ترتفع التذاكر ولا ترتفع الخدمات.. تنقل العيد بين منطق السوق ومعاناة المسافرين

مديحة المهادنة : صحافية متدربة 

خبر_في كل مناسبة دينية أو عطلة مدرسية، يعود المشهد نفسه إلى الواجهة: محطات طرقية مكتظة، أسر تنتظر لساعات، حافلات ممتلئة عن آخرها، وتذاكر ترتفع أثمانها في لحظة يصبح فيها السفر ضرورة لا ترفا. وبين خطاب يبرر الزيادات بضغط الطلب، وواقع يعيشه المسافرون داخل حافلات تفتقر أحيانا إلى أبسط شروط الراحة، يظل المواطن الحلقة الأضعف في معادلة النقل العمومي خلال فترات الذروة.

تصريح وزير النقل واللوجستيك، عبد الصمد قيوح، بشأن سماح القانون برفع أسعار التذاكر بنسبة قد تصل إلى 20 في المائة خلال فترات الخروة، يعيد النقاش مجددا حول حدود المرونة  في قطاع حساس يمس القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة في مناسبات مثل عيد الأضحى، حيث تتضاعف تنقلات الأسر بين المدن والقرى، ويجد كثيرون أنفسهم مضطرين إلى أداء مبالغ إضافية فقط من أجل العودة إلى بيوتهم أو زيارة عائلاتهم.

المشكل لا يكمن فقط في ارتفاع الأسعار، بل في السؤال الأهم: ماذا يتلقى المسافر مقابل هذه الزيادة؟

ففي كثير من الحالات، لا تقابل الزيادات في التذاكر أي خدمة إضافية أو تحسين واضح في ظروف السفر. مواطنون يؤدون ثمنا أعلى، لكنهم يجدون أنفسهم داخل حافلات قديمة أو مكتظة، بعضها يفتقر إلى مكيفات تعمل بشكل طبيعي، أو إلى مقاعد مريحة، أو إلى نظافة كافية، ناهيك عن تأخر الانطلاق، وضعف التواصل مع المسافرين، وغياب شروط استقبال تحترم الحد الأدنى من الكرامة داخل بعض المحطات الطرقية.

خلال الأعياد والعطل، لا يكون السفر بالنسبة لغالبية المواطنين اختيارا سياحيا، بل التزاما عائليا واجتماعيا. فالعامل، والموظف، والطالب، والمغربي المقيم بعيدا عن أسرته، كلهم يدخلون سباقا مرهقا مع الزمن والأسعار. وإذا كانت شركات النقل تبرر الزيادة بعودة عدد من الحافلات فارغة بعد نقل المسافرين في اتجاه واحد، فإن هذا التبرير لا يعفي الدولة من مسؤولية تنظيم القطاع، ولا يعفي المهنيين من واجب توفير خدمة لائقة لمن يدفع ثمنها.

إن الحديث عن الحق في رفع الأسعار يجب أن يوازيه حديث أكثر جدية عن الحق في جودة الخدمة. فلا يعقل أن يتحمل المسافر كلفة إضافية بدعوى الظرفية، ثم يجد نفسه أمام نفس الأعطاب القديمة: حافلات بلا تهوية كافية، محطات مكتظة، غياب المرافق الصحية اللائقة، ضعف المراقبة، وممارسات غير منظمة في بيع التذاكر، خصوصا في اللحظات الأخيرة التي يصبح فيها المواطن تحت ضغط الحاجة إلى السفر بأي ثمن.

كما أن رفع وتيرة رحلات القطارات بين بعض المدن، أو تعزيز حركة حافلات “سوبراتور” نحو وجهات معينة، يظل خطوة مهمة لكنها غير كافية إذا لم تندرج ضمن رؤية شاملة لتدبير تنقلات العطل والأعياد. فالمغاربة لا يحتاجون فقط إلى عدد أكبر من الرحلات، بل إلى نقل يحترم الوقت، والسلامة، والراحة، والقدرة الشرائية.

المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بشرح ما يسمح به القانون، بل مساءلة ما يفرضه الواقع. فالقانون الذي يتيح رفع الأسعار في فترات الذروة ينبغي أن يرافقه قانون أو آلية صارمة تضمن عدم تحول هذه المرونة إلى عبء موسمي دائم على جيوب المواطنين. كما يفترض أن تكون الزيادة مشروطة بجودة واضحة، وبمراقبة فعلية، وبشفافية في الإعلان عن الأسعار، حتى لا يتحول العيد إلى موسم للارتباك والمضاربة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى