“الهيدورة”.. موروث نسائي يمنح جلود الأضاحي حياة جديدة

أميمة حدري 

خبر- بعد أيام عيد الأضحى، وما يرافقه من تحولات اجتماعية واقتصادية داخل الأسر المغربية، يبرز إلى الواجهة موروث تقليدي كان جزءا من تفاصيل الحياة المنزلية في مدينة الناظور كسائر المدن، ويتمثل في “الهيدورة”، وهي طريقة تقليدية كانت تعتمدها الأسر، وخاصة النساء، للاستفادة من جلود الأضاحي وتحويلها إلى مواد قابلة للاستعمال داخل البيت.

هذا الموروث كان يعكس في جوهره نمطا معيشيا قائما على إعادة توظيف الموارد المتاحة وتقليل الهدر، حيث لم تكن جلود الأضاحي تعتبر مجرد بقايا مرتبطة بشعيرة الذبح، بل مادة خام يتم تحويلها إلى قطع تستعمل في الفرش أو التغطية أو التزيين داخل البيوت.

وتقوم هذه العملية على مراحل متتابعة، تبدأ مباشرة بعد الانتهاء من الذبح وتنظيف الأضحية، حيث يتم غسل الجلد بشكل متكرر لإزالة الشوائب والدم، ثم يعرض للتمليح بكميات مهمة من الملح بهدف حفظه ومنع تعفنه. وبعد ذلك يترك الجلد لفترة من الزمن حتى يبدأ في الجفاف، قبل أن يعاد غسله مرة أخرى في إطار تحضيرات أولية.

وفي مرحلة لاحقة، يتم اعتماد خليط تقليدي يتكون أساسا من الشب والدقيق الأبيض، وهو مزيج كان يستخدم في إطار معالجة الجلود، حيث يوضع على سطح الجلد ويترك لفترة إضافية حتى يتفاعل مع المادة الجلدية، مع إمكانية إضافة مواد طبيعية أخرى تختلف من أسرة إلى أخرى حسب الموروث المحلي.

بعد ذلك، يعرض الجلد لأشعة الشمس من أجل إتمام عملية التجفيف، قبل المرور إلى مرحلة المعالجة اليدوية، التي تتضمن حكه بأدوات تقليدية لإزالة بقايا الخليط وتليينه تدريجيا، ثم تقليم أطرافه وتسويته وإعادة تعريضه للشمس مرة أخرى، في خطوة تهدف إلى تحسين جودته وإعداده للاستعمال المنزلي.

هذه الممارسة، كانت تتم داخل فضاء عائلي يعتمد على التعاون بين النساء، سواء داخل الأسرة الواحدة أو بين الجيران، حيث كانت “الهيدورة” تشكل نشاطا جماعيا يتجاوز البعد التقني إلى بعد اجتماعي يقوم على تبادل الخبرات والمعرفة التقليدية المرتبطة بهذا النوع من الحرف المنزلية.

غير أن هذه الممارسة عرفت خلال العقود الأخيرة تراجعا واضحا في مدينة الناظور، نتيجة التحولات التي عرفها نمط العيش داخل الأسر، وتغير أنماط الاستهلاك، إلى جانب انتشار مواد صناعية حديثة عوضت الاستعمالات التقليدية التي كانت تعتمد على جلود الأضاحي.

وفي المقابل، برزت ممارسات جديدة مرتبطة بعيد الأضحى، حيث يتم جمع الجلود من طرف بعض الشباب وبيعها للجهات المختصة في الدباغة أو الصناعات الجلدية، وهو ما يعكس انتقال هذه المادة من استعمال منزلي تقليدي إلى إدماجها في مسارات اقتصادية وصناعية منظمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى