صراعات الأغلبية تُفجّر المجالس الجماعية قبل الانتخابات

حسين العياشي

خبر_

في الوقت الذي يفترض أن تتحول فيه الجماعات الترابية إلى قاطرة للتنمية المحلية وفضاء لتدبير انتظارات المواطنين، باتت بعض المجالس المنتخبة تعيش على وقع صراعات داخلية متكررة، تُحوّل قاعات الاجتماعات إلى ساحات شدّ سياسي، وتدفع مشاريع التنمية إلى دوامة التأجيل والتعطيل. وبين حسابات التحالفات وتصدعات الأغلبية، يجد المواطن نفسه مرة أخرى في مواجهة سؤال قديم يتجدد مع كل محطة انتخابية: من يدفع ثمن “البلوكاج” داخل الجماعات؟

هذا الواقع عاد إلى واجهة النقاش السياسي والبرلماني، بعدما دعا فريق الأصالة والمعاصرة إلى مراجعة الإطار القانوني المنظم لعمل الجماعات الترابية، في خطوة تعكس تصاعد القلق من تفاقم الاختلالات التي أصبحت تطبع تدبير عدد من المجالس المحلية، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

وفي سؤال كتابي وُجّه إلى وزير الداخلية، اعتبرت النائبة البرلمانية قلوب فيطح أن المجالس الجماعية المنتخبة تضطلع بأدوار محورية في معالجة القضايا التنموية والاجتماعية للمواطنين، وهو ما يفرض، بحسب تعبيرها، توفير شروط السير العادي لدوراتها وضمان استمرارية تنفيذ البرامج والمشاريع المحلية داخل الآجال المحددة.

غير أن البرلمانية سجلت، في المقابل، أن عدداً من المجالس أصبح رهينة ممارسات وصراعات متكررة بين مكونات الأغلبية نفسها، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على مصالح الساكنة، سواء من خلال تعطيل المشاريع أو تأخير تنزيل السياسات العمومية على المستوى المحلي.

وتعيد هذه الدعوة إلى الواجهة إشكالية مزمنة تتعلق بفعالية القوانين التنظيمية المؤطرة للجماعات الترابية، وحدود قدرتها على مواجهة حالات الانقسام والتعطيل التي تتكرر داخل عدد من المجالس. فالقانون الحالي، رغم ما يتضمنه من مقتضيات لضبط سير الدورات وآليات اتخاذ القرار، يبدو في نظر كثير من المتابعين عاجزاً عن منع حالات الشلل المؤسساتي التي تتحول أحياناً إلى وسيلة للضغط السياسي أو لتصفية الحسابات بين الحلفاء قبل الخصوم.

وفي هذا السياق، طالبت قلوب فيطح بمراجعة القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات الترابية في اتجاه تشديد المقتضيات القانونية المؤطرة لاشتغال المجالس، بما يضمن انتظام أشغال الدورات ويحد من السلوكات التي تُخل بالسير العادي للمؤسسات المنتخبة.

كما دعت إلى اعتماد إجراءات أكثر صرامة في مواجهة الممارسات التي تعرقل أداء المجالس، معتبرة أن تعزيز الحكامة المحلية لم يعد مجرد خيار سياسي، بل ضرورة تفرضها التحديات التنموية والاجتماعية التي تواجهها الجماعات الترابية في مختلف جهات المملكة.

ويأتي هذا النقاش في سياق تتزايد فيه الانتقادات الموجهة لبعض المجالس الجماعية التي تحولت، في نظر فاعلين ومتابعين، من فضاءات للتدبير المحلي إلى ساحات للتجاذبات السياسية الضيقة، حيث تُستنزف الجهود في الصراعات الداخلية بدل توجيهها لخدمة قضايا التنمية والبنيات التحتية والخدمات الأساسية.

ويرى متابعون أن اقتراب الاستحقاقات الانتخابية يساهم بدوره في رفع منسوب التوتر داخل عدد من المجالس، مع شروع بعض الأطراف في إعادة ترتيب مواقعها السياسية، وهو ما يجعل الجماعات الترابية أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على الاستمرار في أداء وظائفها بعيداً عن الحسابات الانتخابية المبكرة.

وفي ظل هذا الوضع، يبدو أن النقاش حول إصلاح منظومة الجماعات الترابية لم يعد مرتبطاً فقط بتعديل نصوص قانونية، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بإعادة طرح سؤال النجاعة السياسية والأخلاقية للنخب المحلية، ومدى قدرتها على تحويل المؤسسات المنتخبة إلى أدوات لخدمة المواطنين، لا إلى فضاءات للصراع وتعطيل الصالح العام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى