الإشهار التلفزيوني والهوية الثقافية.. هل تعكس الشاشة صورة المغرب أم تعيد تشكيلها؟

فاطمة الزهراء ايت ناصر

في خضم النقاش المتجدد حول صورة الثقافة المغربية داخل الإعلام العمومي، يبرز اليوم موضوع الإشهار التلفزيوني كأحد العناصر الأكثر تأثيرا في تشكيل الذوق العام وإعادة إنتاج الصورة الثقافية داخل المجتمع.

فبينما يفترض في الإعلانات أن تعكس نمط العيش المحلي وتستحضر الرموز الاجتماعية المغربية، يرى منتقدون أن جزءا منها بات يستورد قوالب جاهزة لا تعكس تفاصيل الحياة اليومية للمغاربة، سواء في اللغة أو اللباس أو حتى في أنماط العلاقات الاجتماعية المعروضة على الشاشة.

هذا النقاش يتقاطع بشكل مباشر مع ما يثار حول المضامين التلفزية عموما، حيث يتهم بعض الإنتاج السمعي البصري، بما في ذلك الإشهار، بالمساهمة في تغريب الصورة الثقافية، وإضعاف حضور الهوية المغربية لصالح أنماط بصرية مستوحاة من سياقات ثقافية أخرى.

وبين هذا وذاك، يتزايد الجدل حول حدود التوازن بين جاذبية الإشهار من حيث التسويق، وواجب الانسجام مع الخصوصية الثقافية للمجتمع.

في هذا السياق، أثار تصريح المستشار البرلماني يونس ملال من الفريق الحركي داخل مجلس المستشارين نقاشاً واسعاً، بعد انتقاده لما وصفه بطمس الموروث الثقافي المغربي في بعض البرامج التلفزية، داعيا إلى مراجعة عميقة للمضامين السمعية البصرية بما يحفظ الخصوصية الثقافية للمملكة.

وخلال جلسة الأسئلة الشفهية ليوم الثلاثاء 26 ماي 2026، وجه ملال انتقادات مباشرة لبعض المحتويات التلفزية، معتبرا أنها لا تعكس نمط العيش المغربي ولا رموزه البصرية والاجتماعية، قائلا إن الألوان واللغة وحتى طريقة الحديث لم تعد تشبه ما يوجد داخل البيوت المغربية.

هذا التصريح أعاد إلى الواجهة سؤالا قديما متجددا حول علاقة الإعلام العمومي بالهوية الثقافية، ومدى قدرته على الموازنة بين الانفتاح على الإنتاجات العالمية والحفاظ على الخصوصية المحلية، خاصة في ظل المنافسة القوية لمنصات البث الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي.

في المقابل، دافع وزير الشباب والثقافة والتواصل عن توجهات القطاع، مؤكدا أن ن هناك جهودا متواصلة لتعزيز حضور الهوية المغربية في الإعلام والثقافة، عبر برامج تعريفية بالتاريخ والتراث، من بينها مشاريع تستهدف الشباب وتعزيز ارتباطهم بالموروث الوطني.

كما استعرض الوزير ما تم تحقيقه في مجال حماية التراث المادي واللامادي، مشيرا إلى اعتماد إطار قانوني جديد يعترف بهذا التراث ويمنحه بعدا مؤسساتيا، إضافة إلى مشاريع رقمنة وتثمين التراث المغربي والتعريف به دوليا.

يثير هذا النقاش إشكالية أعمق تتجاوز التصريحات البرلمانية، وتتعلق بمستقبل الهوية الثقافية المغربية في ظل العولمة الإعلامية، حيث تتداخل الإنتاجات الأجنبية مع المحلية، وتتحول المنصات الرقمية إلى الفضاء الأكثر تأثيرا على الذوق العام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى