من 1200 طن إلى 220 فقط.. هل انسحبت الأسر بصمت من عيد الأضحى؟

حسين العياشي

خبر_في المدن، لا تُقاس التحولات الكبرى دائما بما تقوله التقارير الرسمية أو ما تعلنه الأسواق. أحيانا، تكشفها تفاصيل صغيرة تمرّ بصمت؛ حاويات أقل امتلاء، شوارع أقل ازدحاما بمخلفات العيد، وأطنان من النفايات اختفت فجأة من المشهد. هذا بالضبط ما حدث في أكادير، حيث فتحت أرقام مخلفات عيد الأضحى هذه السنة بابا واسعا للأسئلة، أكثر مما قدمت أجوبة جاهزة.

المعطيات المتداولة محليا تضع المدينة أمام مفارقة لافتة. ففي عيد الأضحى لسنة 2024، جرى الحديث عن جمع ما يفوق 1200 طن من نفايات ومخلفات الأضاحي، فيما لم تتجاوز الكمية المعلن عن جمعها خلال عيد 2026 حوالي 220 طنا، رغم تعبئة نحو 600 عامل نظافة وآليات ميدانية مهمة. الفارق يبدو صادما: انخفاض يقارب 980 طنا، أي ما يناهز 82 في المائة.

صحيح أن الأرقام وحدها لا تكفي لإصدار حكم نهائي، لأن طريقة الإحصاء تختلف من سنة إلى أخرى، كما أن توقيت الجمع والمجال الترابي المشمول بالعملية وسلوك الأسر في التخلص من المخلفات كلها عوامل تؤثر في الحصيلة النهائية. لكن، رغم ذلك، يصعب التعامل مع هذا الفارق باعتباره مجرد تفصيل تقني أو خطأ في الحساب.

فنفايات عيد الأضحى ليست نفايات عادية. إنها مرتبطة مباشرة بعدد الأضاحي التي ذُبحت داخل البيوت والأحياء. وكل تراجع حاد في حجم هذه المخلفات يفتح تلقائيا سؤالا اجتماعيا حساسا: هل تراجع عدد الأسر التي استطاعت اقتناء الأضحية فعلا هذه السنة؟

الفرضية لا تبدو بعيدة عن الواقع. فقبل العيد بأسابيع، كان النقاش محتدما حول أسعار الأضاحي التي تجاوزت قدرة فئات واسعة من الأسر، وسط شكاوى متكررة من غلاء غير مسبوق، وارتباك في العرض داخل بعض الأسواق ونقط البيع. كثير من الأسر دخلت الأيام الأخيرة قبل العيد وهي تبحث عن “حول” يناسب ميزانيتها، قبل أن تنتهي عند قناعة صعبة: الكلفة هذه السنة أثقل من القدرة على التحمل.

في المغرب، لا تُختزل الأضحية في بعدها الديني فقط، رغم أن الشريعة واضحة في كونها غير واجبة على غير القادر. لكنها، اجتماعيا، تحولت عبر عقود إلى طقس جماعي يحمل معنى الكرامة والفرح والانتماء داخل الحي والعائلة. لذلك، حين تتخلى أسرة عن الذبح، فهي لا تتخلى فقط عن شعيرة، بل تعلن بصمت عن ضغط اقتصادي بلغ حدا يصعب تجاهله.

الإيجار، فواتير الماء والكهرباء، مصاريف التمدرس، النقل، العلاج، وغلاء المعيشة بشكل عام… كلها عناصر جعلت الأضحية بالنسبة إلى كثيرين حلما مؤجلا أو عبئا يفوق طاقتهم. لهذا، تبدو أرقام النفايات هنا أقرب إلى مؤشر اجتماعي منها إلى مجرد معطى بيئي.

اللافت أيضا أن جماعة أكادير لم تدخل العيد دون استعدادات. فقد جرى، هذه السنة، توزيع أكثر من 35 ألف كيس كبير الحجم عبر جمعيات الأحياء والسنديكات، مع تعبئة بشرية ولوجستيكية واسعة لتدبير مخلفات العيد. وهي الإجراءات نفسها تقريبا التي رافقت عيد 2024، حين كانت التوقعات تشير إلى وصول حجم النفايات إلى حوالي 1200 طن، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف المعدل اليومي المعتاد للنفايات بالمدينة.

هذا يعني أن المقارنة لا تتم بين سنة عرفت تعبئة وأخرى غابت فيها الاستعدادات، بل بين عيدين يفترض فيهما أن يخلّفا الضغط البيئي نفسه تقريبا. غير أن المشهد كان مختلفا هذه المرة: أكياس أقل، حاويات أقل امتلاء، ونقاط سوداء أقل اكتظاظا بمخلفات الذبح.

وربما هنا بالضبط تبدأ القصة الحقيقية.

فإذا كانت الأسواق تقول إن العرض كان متوفرا، بينما تعكس مخلفات العيد تراجعا حادا في الذبح، فإن السؤال لم يعد بيئيا فقط، بل أصبح اقتصاديا واجتماعيا بامتياز. هل تغير سلوك الأسر تجاه العيد؟ هل اتجهت عائلات أكثر نحو التقاسم العائلي؟ هل فضلت فئات واسعة الانسحاب بصمت من “سباق الأضحية” بسبب الأسعار؟ أم أن الأمر يتعلق بمزيج من كل هذه العوامل؟

الجواب يحتاج إلى أكثر من الانطباعات المتداولة. يحتاج إلى معطيات دقيقة تقارن بين أرقام السنوات الماضية، حسب الأحياء وحسب حجم المخلفات المرتبطة بالأضاحي وحدها، بعيدا عن النفايات المنزلية العامة. حينها فقط يمكن معرفة ما إذا كانت أكادير قد شهدت فعلا تراجعا غير مسبوق في الذبح، أم أن اختلاف طرق الإحصاء هو الذي صنع هذا الفارق الكبير.

لكن، إذا تأكد أن الانخفاض حقيقي بهذا الحجم، فإن الأمر يتجاوز مجرد رقم عابر. نحن حينها أمام تحول اجتماعي يستحق الدراسة. لأن عيد الأضحى، الذي ظل لعقود مناسبة جماعية شبه موحدة داخل الأحياء المغربية، قد يكون بدأ يتحول تدريجيا إلى شعيرة تُرهق جزءا واسعا من الطبقة المتوسطة والفقيرة.

وسط كل ذلك، يبقى عمال النظافة الحلقة التي لا يختلف حولها أحد. فقد نجحوا، مرة أخرى، في كسب رهان السرعة والتنظيم والتدخل الميداني، في ظروف تعرف ضغطا استثنائيا كل سنة. غير أن ما كشفته الأطنان “الغائبة” من النفايات يبدو أكبر من مجرد نجاح لوجستيكي.

من 1200 طن إلى 220 طنا… الفارق ليس رقما عاديا. إنه إشارة اجتماعية صامتة، تقول إن شيئا ما تغيّر هذا العيد. ربما في السوق، وربما في جيوب الأسر، وربما في علاقة المغاربة أنفسهم بطقس كان، إلى وقت قريب، يبدو ثابتا لا يتغير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى