من 40 مليون رأس إلى الندرة.. كيف وصلت الماشية إلى هذا الوضع؟

أميمة حدري
خبر- تحول ملف القطيع الوطني من أحد أبرز عناوين النجاح التي روج لها خلال السنوات الماضية إلى واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل والانتقاد، بعدما وجد المغاربة أنفسهم خلال عيد الأضحى الأخير أمام واقع مختلف تماما عن الأرقام التي ظلت تُقدم للرأي العام.
وبينما تحدثت التصريحات الرسمية مرارا عن ملايين الرؤوس وعن برامج دعم بمليارات الدراهم لإنقاذ الثروة الحيوانية، كشفت الأسواق عن ندرة غير مسبوقة في الأضاحي وارتفاعات قياسية في الأسعار دفعت آلاف الأسر إلى العزوف عن الشراء أو اللجوء إلى اقتناء إناث الأغنام والخرفان الصغيرة التي يفترض أن تكون أساس إعادة تكوين القطيع.
وأعاد هذا المشهد إلى الواجهة سؤالا جوهريا ظل مطروحا منذ سنوات دون إجابات واضحة: كيف انتقل المغرب من الحديث عن عشرات الملايين من رؤوس الماشية إلى واقع يتحدث فيه المهنيون عن خصاص حاد في العرض وعن استنزاف غير مسبوق للقطيع الوطني؟
الواقع أن ما جرى خلال الموسم الحالي لم يكن مفاجئا للمتابعين للقطاع، بل كان نتيجة مباشرة لتراكمات طويلة من الاختلالات التي لم تنجح السياسات العمومية في معالجتها رغم حجم الموارد المالية التي تم رصدها. فمنذ سنوات والجفاف يضرب البلاد بشكل متواصل، فيما ارتفعت أسعار الأعلاف والمحروقات والأدوية البيطرية إلى مستويات قياسية، ومع ذلك ظلت الحلول المعتمدة تعتمد على تدابير ظرفية لم تعالج جذور الأزمة بقدر ما سعت إلى احتواء تداعياتها الآنية.
وفي الوقت الذي خصصت فيه الدولة دعما ماليا مهما للقطاع، ظل المواطن يطرح السؤال نفسه كل سنة: أين ذهبت نتائج هذا الدعم؟ فأسعار اللحوم واصلت الارتفاع، وأثمنة الأضاحي بلغت مستويات غير مسبوقة، والقطيع الوطني استمر في التراجع، ما جعل فئات واسعة تعتبر أن الأموال المرصودة لم تنعكس بالشكل المطلوب على السوق أو على القدرة الشرائية للمواطنين.
وزاد من حدة الانتقادات التباين الواضح بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني. فقبل العيد كانت التطمينات تتحدث عن وفرة في العرض واستعدادات كافية لتغطية الطلب، غير أن الأيام الأخيرة كشفت عن سباق محموم للبحث عن الأضاحي، وعن ارتفاعات متتالية في الأسعار، وعن اضطرار العديد من المواطنين إلى اقتناء ما كان يعتبر في السابق خارج دائرة الأضحية المعتادة، بما في ذلك إناث الأغنام والماعز والخرفان الفتية.
ويرى متتبعون أن السماح باستمرار ذبح الإناث المنتجة يشكل أحد أخطر المؤشرات على عمق الأزمة، لأن الأمر لا يتعلق فقط بموسم واحد، بل بمستقبل القطيع الوطني برمته. فكل رأس أنثى يتم ذبحه اليوم يعني انخفاضا محتملا في أعداد المواليد خلال السنوات المقبلة، وهو ما قد يؤدي إلى تعميق الاختلالات الحالية بدل معالجتها.
كما فتحت الأزمة الباب أمام تساؤلات متزايدة بشأن دقة الإحصائيات المرتبطة بالثروة الحيوانية. فالأرقام التي كانت تقدم باعتبارها مؤشرا على تعافي القطاع اصطدمت بواقع الندرة الذي عاشه المواطنون في الأسواق، ما دفع العديد من الأصوات إلى المطالبة بمراجعة شاملة لآليات الإحصاء والمراقبة وربط أي برامج للدعم بنتائج ملموسة وقابلة للتتبع والمحاسبة.
ولا يقف الخلل عند حدود الجفاف أو الظروف المناخية الصعبة، إذ يرى مهنيون أن القطاع يعاني أيضا من غياب رؤية استراتيجية قادرة على تحقيق التوازن بين الحفاظ على القطيع وضمان تزويد السوق. فكلما ارتفعت الأسعار تم اللجوء إلى حلول استعجالية، وكلما تفاقمت الأزمة تم الإعلان عن إجراءات جديدة، غير أن النتيجة النهائية بقيت واحدة: تراجع مستمر في أعداد الماشية وارتفاع متواصل في كلفة اللحوم.
ويعتبر مراقبون أن ما حدث خلال عيد الأضحى الأخير يمثل مؤشرا مقلقا على فشل المقاربات المعتمدة في إعادة بناء القطيع الوطني. فبعد سنوات من الدعم والتحفيز والاستيراد، انتهى الأمر باستنزاف جزء مهم من الرصيد الذي كان يفترض أن يشكل قاعدة لإعادة التكوين، وهو ما يثير مخاوف حقيقية بشأن الموسم المقبل وإمكانية تكرار الأزمة في ظروف أكثر تعقيدا.
وفي ظل هذا الوضع، تتصاعد الدعوات إلى فتح نقاش صريح حول حصيلة السياسات الفلاحية المرتبطة بتربية الماشية، وتقييم فعلي لنتائج برامج الدعم، وتحديد المسؤوليات بشأن الاختلالات التي قادت إلى هذا الوضع. فالأزمة لم تعد مرتبطة فقط بارتفاع الأسعار أو بندرة الأضاحي، بل أصبحت تعكس إشكالا أعمق يتعلق بقدرة السياسات العمومية على حماية الثروة الحيوانية وضمان استدامتها.





