اليوسفية.. مستعجلات على حافة الشلل والوزارة تتحرك متأخرة

حسين العياشي

خبر_لم تكن أزمة مصلحة المستعجلات بالمستشفى الإقليمي للا حسناء باليوسفية مجرد حادث عرضي مرتبط بغياب طبيب أو تعثر مؤقت في تنظيم المداومة، بل تحولت خلال الأيام الأخيرة إلى واجهة تكشف عمق الإكراهات التي ما تزال تواجه تدبير الموارد البشرية بالقطاع الصحي، وتثير تساؤلات حول مدى قدرة المنظومة على استباق الأزمات قبل أن تتحول إلى قضية رأي عام.

ففي خضم الجدل الذي رافق اضطراب الخدمات الصحية بالمستشفى، أقرت المندوبية الإقليمية للصحة والحماية الاجتماعية باليوسفية بوجود اختلالات في استمرارية العمل بمصلحة المستعجلات، مؤكدة أن هذا الوضع سُجل في أكثر من مناسبة نتيجة غياب أطباء وما ترتب عنه من صعوبات في تأمين الحراسة الطبية وضمان السير العادي لهذه المصلحة الحيوية.

ووفق المعطيات التي كشفتها المندوبية، فإن آخر هذه الاضطرابات تم تسجيله يوم 28 ماي الماضي، حين اضطرت المصالح الصحية إلى اللجوء لحل استثنائي عبر الاستعانة بطبيبة من مدينة مراكش لتأمين استمرارية الخدمات وسد الخصاص المسجل في المداومة الطبية. غير أن هذا التدخل، وإن ساهم في احتواء الوضع بشكل مؤقت، لم يخفِ حجم الإشكال البنيوي الذي تعاني منه المؤسسة الصحية.

وتعكس الأرقام الرسمية حجم الهشاشة التي تشتغل في ظلها مصلحة المستعجلات، إذ لا تتوفر سوى على أربعة أطباء، من بينهم طبيب واحد تابع لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، فيما يشتغل ثلاثة أطباء في إطار عقود مع جمعية أصدقاء المستشفى. وهي تركيبة تجعل استمرارية الخدمات مرتبطة بموارد بشرية محدودة وهشة، في مرفق يفترض أن يظل جاهزاً على مدار الساعة لاستقبال الحالات المستعجلة.

وزادت الأزمة تعقيدا بعد تقديم طبيبين متعاقدين لاستقالتيهما، بسبب ما وصفته المندوبية بضعف التعويضات المالية مقارنة بالأجور والتحفيزات المعمول بها في القطاع العمومي، إلى جانب عدم احترام بعض المقتضيات التعاقدية. كما تزامن ذلك مع حصول الطبيب المتعاقد الثالث على شهادة طبية غطت الفترة الممتدة من 29 ماي إلى فاتح يونيو، وهو ما أدى إلى تفاقم الضغط على المصلحة وأثر على تنظيم الحراسة الطبية.

غير أن ما جرى باليوسفية لا يبدو معزولا عن سياق أوسع يرتبط بصعوبة استقطاب الأطر الطبية والاحتفاظ بها في عدد من الأقاليم. فقد أقرت المندوبية بأن مباراة التوظيف التي نُظمت خلال أبريل 2026 لم تسفر عن التحاق أي طبيب بالإقليم، بعدما فضل الناجحون الالتحاق بأقاليم أخرى، ما أبقى الخصاص قائماً رغم فتح مناصب مالية مخصصة لهذا الغرض.

وفي خضم هذا الجدل، أعلنت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية عن فتح مباراة جديدة لتوظيف خمسة أطباء عامين بالإقليم، في خطوة تهدف إلى تعزيز الموارد البشرية الصحية وتخفيف الضغط المسجل على المؤسسات الصحية المحلية.

غير أن هذا الإعلان، بدل أن يطوي صفحة النقاش، أعاد طرح أسئلة أكثر عمقا حول طريقة تدبير القطاع الصحي محليا ووطنيا. فبالنسبة لعدد من المتابعين والمهنيين، لا يتعلق الأمر فقط بفتح مناصب جديدة، بل بسبب تأخر التدخل إلى حين تفاقم الوضع ووصوله إلى الرأي العام. ويتساءل هؤلاء عن أسباب غياب مقاربة استباقية قادرة على رصد مؤشرات الخصاص ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة تؤثر على حق المواطنين في العلاج.

ويعتبر مهنيون أن استقالات الأطباء وصعوبات الاستقطاب لم تكن أحداثا مفاجئة، بل مؤشرات واضحة كان يفترض أن تدفع إلى اتخاذ إجراءات استباقية منذ وقت مبكر، خاصة أن الخصاص في الموارد البشرية يعد من أبرز التحديات التي تواجه عددا من الأقاليم.

كما تربط مصادر مهنية هذه الاختلالات المستمرة بتأخر إخراج الخريطة الصحية، التي يفترض أن تشكل أداة استراتيجية لتحديد حاجيات كل جهة وإقليم من الموارد البشرية والتجهيزات والبنيات الصحية، بما يسمح بتوزيع أكثر عقلانية ونجاعة للأطر الطبية وتوقع الخصاص قبل وقوعه. وبحسب هذه المصادر، فإن غياب رؤية شمولية دقيقة يجعل التدخلات غالباً ذات طابع ظرفي، تأتي كرد فعل على الأزمات بدل أن تسبقها.

وبين اعتراف رسمي بالخصاص، وإجراءات توظيف جديدة، وأسئلة متجددة حول التخطيط الصحي، تبقى ساكنة اليوسفية في انتظار حلول عملية ومستدامة تضمن استقرار الموارد البشرية داخل مؤسساتها الصحية، وتضع حداً لتكرار أزمات لا ينبغي أن تصبح جزءاً من الحياة اليومية لمرفق يفترض أن يوفر الطمأنينة لا القلق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى