“في خدمة اللوبيات”.. شهادات صادمة من داخل مجلس عباس المغاري بمكناس

حسين العياشي
متابعة_لم تعد الانتقادات الموجهة إلى مجلس جماعة مكناس مجرد همس سياسي داخل الكواليس، بل تحولت إلى اتهامات صريحة تنسف، في نظر بعض المستشارين، الصورة التي يحاول الرئيس عباس المغاري رسمها عن تدبير الشأن المحلي بالمدينة. فبين حديث عن تفويتات عقارية مثيرة للجدل، وتوزيع غير متكافئ للخدمات، واتهامات بتغليب منطق الولاءات على منطق المصلحة العامة، تبدو مكناس، وفق هذه القراءة، وكأنها تعيش أزمة ثقة عميقة في مسيريها أكثر مما تعيش أزمة مشاريع.
المدخل إلى هذا الجدل جاء من وصف بعض المستشارين بأن المدينة يتم تدبير شأنها المحلي في خدمة اللوبيات والفساد، وذهبوا أبعد من ذلك حين اعتبروا أن “الفساد الذي تعيشه مكناس مع المجلس الحالي لم يسبق له مثيل”. وهي عبارات ثقيلة لا يمكن المرور عليها مرور الكرام، لا من حيث وقعها السياسي ولا من حيث ما تعكسه من احتقان داخل المجلس نفسه. لذلك، كان من الطبيعي أن تذهب “إعلام تيفي” إلى قلب هذا السجال، بحثًا عن قراءة من داخل المجلس، وعن جواب واضح: هل نحن أمام مجرد خصومة سياسية عابرة، أم أمام خلل عميق في طريقة تدبير المدينة؟

الجواب الذي قدمه المستشار الجماعي عبد الوهاب البقالي، عن الحزب الاشتراكي الموحد، لم يذهب في اتجاه التلطيف، بل زاد المشهد حدّة. فالرجل تحدث عن “تراجعات كبرى” تعرفها مكناس بسبب ما سماه أسلوبًا تقليديًا في التدبير، يقوم على خدمة المقربين وتوزيع الامتيازات في قطاعات بعينها، من الإنارة العمومية إلى النظافة والإنعاش الوطني، مرورًا بصفقات وملفات عقارية وصفها بأنها تفتقر إلى الشفافية. وفي خلفية هذا الكلام، يظهر أن المدينة، بحسب هذه القراءة، لا تُدار برؤية تنموية، بل بمنطق شبكات نفوذ صغيرة تحاول التحكم في القرار المحلي.
أكثر الملفات حساسية في هذا السياق يبقى ملف تفويت ممتلكات الجماعة. فبحسب ما أورده المستشار، فإن المجلس وجد نفسه أمام قرارات تمس عقارات استراتيجية في قلب المدينة، من بينها “لاسيندا” وسوق الرحبة وسوق السمك، وهي ممتلكات يرى الرافضون لتفويتها أنها كان ينبغي أن تُوظف لإنشاء حدائق ومرافق اجتماعية ودور شباب، لا أن تتحول إلى مشاريع سكنية خاصة تستفيد منها “لوبيات العقار”. هنا لا يعود النقاش تقنيًا فقط، بل يصبح سؤالا سياسيا وأخلاقيا أيضا: هل تبيع الجماعة أصولها اليوم لتصرفها على مشاريع ظرفية، أم أنها تُفرغ المدينة تدريجيًا من ذاكرتها وممتلكاتها العامة؟
وعندما ينتقل الحديث إلى مشروع الملعب الكبير، يصبح الجدل أكثر حدّة؛ فالمستشار يعتبر أن تبرير تفويت الممتلكات بتمويل المشروع ليس مقنعا، ما دامت مساهمة الجماعة، وفق ما قاله، لا تتجاوز نسبة محدودة جدا مقارنة بمساهمات الدولة والجهة والمؤسسات الأخرى. وهنا تبرز مفارقة لافتة: كيف يمكن لجماعة محلية أن تبرر التفويت في ذمة المدينة العقارية من أجل مشروع يفترض أصلا أن تتولى مؤسسات أخرى استثماره؟ بالنسبة للمعارضين، هذا ليس خيارا تنمويا بقدر ما هو تعبير عن ضعف في القدرة على الترافع وجلب الاعتمادات من خارج ميزانية الجماعة.
أما ملف الإنارة العمومية، فقد فتح جبهة أخرى من الانتقادات؛ فالمستشار تحدث بعبارات قاسية عن “الإنارة بالولاءات”، في إشارة إلى ما يعتبره توزيعا غير عادل للخدمات الأساسية بين الأحياء. ووفق روايته، فإن بعض المناطق المرتبطة انتخابيا بالرئيس تتلقى اهتماما خاصا، بينما تعيش أحياء أخرى، من بينها حي السلام وسيدي بابا والملاح القديم وبلي محمد والبساتين، في الظلام. وبهذا المنطق، يصبح الأمر متجاوزا لمجرد خلل تقني أو تأخر إداري، ليدخل في صميم فكرة التمييز في الخدمة العمومية، حين تتحول الإنارة، وهي أبسط أشكال الحق الحضري، إلى أداة سياسية للعقاب والمكافأة.
الأخطر في هذه الصورة هو ما تعكسه من أزمة في الثقة داخل المجلس نفسه. فحين يتحدث مستشار جماعي عن “جريمة حضرية” في تفويت العقارات، وعن تدبير يقوم على “الولاءات”، وعن مدينة متأخرة بسبب غياب الرؤية الاستراتيجية، فإن ذلك يعني أن الخلاف لم يعد حول تفاصيل التسيير، بل حول فلسفة التسيير نفسها. هل المجلس الحالي يدير مكناس باعتبارها مدينة تحتاج إلى إعادة هيكلة وتنمية متوازنة، أم باعتبارها مساحة لتوزيع النفوذ وخلق شبكات التبعية؟
وفي النهاية، تبدو مكناس اليوم أمام صورة سياسية شديدة الارتباك، مجلس يتهمه خصومه بتغليب الحسابات الضيقة، ومستشارون يلوحون بوجود فساد غير مسبوق، وملفات عقارية وخدماتية تزداد غموضا بدل أن تتجه نحو الحسم. وبين رواية الأغلبية وصوت المعارضة، يبقى المواطن المكناسي هو من يدفع الثمن الأكبر، وهو من ينتظر أجوبة لا شعارات، ومدينة تُدار بعقل الدولة لا بمنطق الغنيمة.





