مطالب بافتحاص صفقة تأهيل مستشفى سيدي سعيد بمكناس

حسين العياشي
خبر_
عاد ملف تدبير المشاريع الصحية بجهة فاس-مكناس إلى دائرة الضوء من جديد، بعد بروز معطيات تثير تساؤلات حول مآل مشروع تأهيل مستشفى سيدي سعيد بمدينة مكناس، الذي رُصدت له اعتمادات مالية مهمة وكان يُعوّل عليه لتحسين الخدمات الصحية لفائدة ساكنة يتجاوز عددها المليون نسمة. غير أن المشروع، الذي قُدم في بدايته باعتباره خطوة لتعزيز البنية الاستشفائية بالمدينة، تحول اليوم إلى محور مطالب متزايدة بإجراء افتحاص شامل وترتيب المسؤوليات بشأن ما يقال إنها اختلالات رافقت تنزيله.
ووفق معطيات متداولة في الأوساط الصحية، فإن المشروع لم يحقق الأهداف التي أعلن عنها عند إطلاقه، رغم حجم الاستثمارات التي خصصت له خلال فترة الإدارة السابقة للمديرية الجهوية للصحة. وكان من المرتقب أن يشمل التأهيل تطوير قسم المستعجلات وتحديث المختبرات وتعزيز خدمات الولادة والطب النفسي والأمراض الصدرية، غير أن النتائج المحققة على أرض الواقع ظلت، بحسب منتقدي المشروع، بعيدة عن الطموحات التي رافقته.
وتشير المصادر ذاتها إلى أن عدداً من القرارات التي اتخذت خلال مراحل الإنجاز أثارت الكثير من الجدل داخل الأوساط المهنية. فمن بين أبرز هذه القرارات هدم مصلحة الأمراض الصدرية الخاصة بالنساء، وإلغاء مطبخ المستشفى وتحويله إلى صيدلية، فضلاً عن توسيع الجناح الإداري وإحداث قاعة للاجتماعات على حساب فضاءات كانت مخصصة للاستشفاء والخدمات الطبية. وهي اختيارات يعتبر منتقدوها أنها لم تنعكس إيجاباً على جودة التكفل بالمرضى، خاصة في ظل استمرار إغلاق مصلحة الولادة وأمراض النساء لسنوات طويلة.
ولا يقف الجدل عند حدود مشروع التأهيل فقط، بل يمتد إلى مشروع صحي آخر تم إنجازه سنة 2019 بشراكة بين عدد من المؤسسات، من بينها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والجماعات الترابية ومجلس الجهة. المشروع، الذي بلغت كلفته نحو 300 مليون سنتيم وتم تدشينه بطاقة استيعابية تصل إلى خمسين سريراً، خُصص في الأصل لطب الأطفال قبل أن يوظف خلال فترة جائحة كورونا لمواجهة الضغط الاستثنائي الذي فرضته الأزمة الصحية.
غير أن تساؤلات عديدة تُطرح اليوم بشأن مآل هذه البنية الصحية بعد انتهاء الجائحة، إذ تفيد معطيات متداولة بأن المؤسسة لم تستعد وظيفتها الأصلية المخصصة لطب الأطفال، بعدما جرى تحويلها لاستقبال مصلحة الأمراض الصدرية والتنفسية، وهو ما يعتبره متتبعون ابتعاداً عن الأهداف التي أنشئت من أجلها هذه المنشأة الصحية.
وفي الجانب التدبيري والمالي، تصاعدت مطالب هيئات نقابية وحقوقية بفتح افتحاص دقيق للصفقة رقم 08/2018، من أجل التحقق من مدى احترام المساطر القانونية والتقنية خلال مختلف مراحل الإنجاز. وتستند هذه المطالب إلى معطيات تتحدث عن افتتاح بعض المرافق قبل استكمال الأشغال بشكل نهائي، إلى جانب صرف المستحقات المالية لفائدة الشركة المكلفة بالمشروع، رغم تحفظات تقنية أبدتها لجنة مختصة تابعة للمندوبية الإقليمية للصحة، والتي رفضت، بحسب المصادر نفسها، تسلم المشروع بسبب عدم مطابقته لبعض بنود دفتر التحملات.
ويحذر فاعلون في القطاع الصحي من طي هذا الملف دون إجراء تقييم موضوعي لما وقع، معتبرين أن تحسين العرض الصحي لا يمكن أن يتحقق عبر الشعارات وحدها، بل من خلال تقييم دقيق للمشاريع المنجزة وربط المسؤولية بالمحاسبة عند الاقتضاء. كما يؤكدون أن أي إعادة تنظيم للمصالح الاستشفائية بمكناس ينبغي أن تسبقها دراسة تقنية محينة تحدد الإمكانات الحقيقية لمستشفى سيدي سعيد وقدرته على استيعاب الخدمات المرتقب نقلها إليه.
ويشدد المهنيون على أن نجاح أي إصلاح أو إعادة هيكلة يظل رهيناً بتوفير الموارد البشرية الكافية والتجهيزات الطبية الضرورية، من مختبرات وأجهزة تشخيص وأطر متخصصة في الأشعة والإنعاش والإسعاف، بما يضمن استمرارية الخدمات الصحية ويحافظ على سلامة المرضى وجودة التكفل بهم.
وبين مطالب الافتحاص والدعوات إلى تصحيح الاختلالات، يبقى مستشفى سيدي سعيد في قلب نقاش يتجاوز حدود بناية أو مشروع بعينه، ليطرح سؤالاً أوسع حول حكامة تدبير الاستثمارات العمومية في قطاع الصحة، ومدى قدرتها على التحول إلى خدمات ملموسة يشعر بها المواطن داخل المستشفيات والمراكز الصحية.





