4 ملايين أسرة تتلقى الدعم.. هل هذا إنجاز حكومي أم اعتراف رسمي باتساع الهشاشة؟

حسين العياشي

مواكبة_في السياسة، ليست كل الأرقام التي تُقدَّم باعتبارها إنجازا تحمل المعنى نفسه حين تُقرأ خارج الخطاب الرسمي. فبعض الأرقام، مهما حاول أصحابها تزيينها، تتحول إلى اعترافات صريحة بحقائق أكبر من البلاغات والتقارير.

هذا بالضبط ما يثيره التقرير السنوي للوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي برسم سنة 2025، والذي حرص على تقديم حصيلة برنامج الدعم الاجتماعي المباشر باعتبارها أحد أبرز تجليات الدولة الاجتماعية. غير أن القراءة المتأنية للأرقام الواردة فيه تفضي إلى سؤال مختلف تماما: هل تكشف هذه الحصيلة نجاح السياسات العمومية، أم أنها تكشف حجم الأزمة الاجتماعية التي باتت تحتاج إلى تدخل مالي مباشر من الدولة؟

التقرير يتحدث بفخر عن استفادة ما يقارب 3.9 ملايين أسرة مغربية من الدعم الاجتماعي المباشر، أي ما يفوق 12.5 مليون مواطن. وعلى الورق يبدو الرقم ضخما ومثيرا للإعجاب، لكنه في الواقع يطرح إشكالا آخر أكثر عمقا: كيف وصل المغرب إلى مرحلة تحتاج فيها ملايين الأسر إلى تحويلات مالية منتظمة حتى تتمكن من مواجهة أعباء الحياة اليومية؟

في الدول التي تنجح في خلق الثروة وتوزيعها بشكل عادل، يكون الدعم الاجتماعي موجها لفئات محدودة تواجه ظروفا استثنائية. أما حين يتحول إلى سياسة تشمل هذا الحجم من الأسر، فإن الأمر لم يعد يتعلق فقط ببرنامج اجتماعي، بل بمؤشر واضح على اتساع دائرة الهشاشة داخل المجتمع.

والمفارقة أن التقرير نفسه يقدم أفضل دليل على ذلك. فهو لا يتحدث عن أسر خرجت من الفقر، ولا عن مواطنين انتقلوا من الحاجة إلى الاستقلال الاقتصادي، بل يؤكد أن التحويلات المالية ساهمت في “الحفاظ على القدرة الشرائية” للفئات المستهدفة. والفرق كبير بين الحفاظ على القدرة الشرائية وتحسينها. فالحفاظ يعني منع التدهور، بينما التحسين يعني الارتقاء الفعلي بمستوى العيش.

بمعنى آخر، فإن الدولة لا تقول للمغاربة إنها نجحت في إخراج الملايين من الهشاشة، بل تقول إنها نجحت في التخفيف من آثارها ومنعها من التفاقم. وهي نتيجة قد تكون مهمة في حد ذاتها، لكنها تبقى بعيدة عن الصورة الوردية التي يحاول الخطاب الحكومي تسويقها.

الأكثر إثارة للانتباه أن التقرير، رغم لغته الاحتفالية، يعترف ضمنيا بحدود المقاربة الحالية. فبعد سنتين من تنزيل البرنامج، ما تزال الوكالة تتحدث عن ضرورة الانتقال من مجرد تحويل الأموال إلى “الاستثمار الاجتماعي” و”الإدماج المنتج” و”مواكبة الخروج من الفقر”. وهو اعتراف واضح بأن الدعم النقدي، مهما بلغت أهميته، لا يكفي وحده لمعالجة جذور الأزمة الاجتماعية.

فالفقر لا يُهزم بالتحويلات المالية فقط، بل بالشغل اللائق، والمدرسة العمومية الجيدة، والمستشفى العمومي الفعال، والسياسات الاقتصادية القادرة على خلق الثروة وتوزيعها بشكل منصف. أما الدعم المباشر، فيبقى في نهاية المطاف شبكة أمان تمنع السقوط، لكنه لا يضمن الصعود.

ومن هنا تبرز المفارقة الكبرى التي يحاول التقرير تجاوزها. فكلما ارتفع عدد المستفيدين من الدعم، اعتبرته الحكومة دليلاً على نجاحها. بينما يمكن للمتابع أن يقرأ الرقم نفسه باعتباره مؤشراً على أن الهشاشة ما تزال واسعة الانتشار، وأن ملايين الأسر لم تصل بعد إلى مستوى من الدخل والاستقرار يسمح لها بالاستغناء عن المساعدة العمومية.

لقد نجحت الدولة في بناء منظومة متطورة للاستهداف والتدبير والرقمنة والتتبع، ونجحت في إيصال الدعم إلى ملايين الأسر. لكن السؤال الذي يظل معلقاً فوق كل هذه الأرقام هو: هل أصبح المغاربة أقل فقراً مما كانوا عليه قبل سنوات؟

التقرير لا يقدم جواباً واضحاً عن هذا السؤال. لا نقرأ فيه كم أسرة خرجت نهائياً من دائرة الفقر، ولا كم مواطناً انتقل من الاعتماد على الدعم إلى الاندماج الاقتصادي المستدام، ولا ما إذا كانت الفوارق الاجتماعية قد تقلصت فعلاً.

ولهذا السبب بالذات، فإن أخطر ما يكشفه التقرير ليس ما أراد أن يقوله، بل ما قاله من دون أن ينتبه. فعندما تعلن الدولة أن نحو أربعة ملايين أسرة تحتاج إلى دعم مباشر، فإنها لا تقدم فقط حصيلة برنامج اجتماعي، بل تقدم أيضاً اعترافاً رسمياً بأن الهشاشة الاجتماعية ما تزال واقعاً يفرض نفسه بقوة في المغرب.

وبينما تنشغل الحكومة بالاحتفاء بعدد المستفيدين، يبقى السؤال الحقيقي الذي ينتظر المغاربة جوابه: متى يصبح نجاح الدولة الاجتماعية مقاساً بعدد الأسر التي خرجت من الحاجة، لا بعدد الأسر التي أصبحت تتلقى المساعدة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى