قلوب فيطح: الغش يتضاعف في البكالوريا.. والعقاب وحده لا يكفي

حسين العياشي

خبر_أعاد الارتفاع اللافت في عدد حالات الغش المسجلة خلال امتحانات البكالوريا بالمغرب إلى الواجهة نقاشا متجددا حول الكيفية المثلى للتعامل مع هذه الظاهرة التي باتت تؤرق المنظومة التعليمية. فبينما تجمع مختلف الأطراف على ضرورة حماية مصداقية الشهادات الوطنية وصيانة مبدأ الاستحقاق، تبرز في المقابل أصوات تدعو إلى عدم الاكتفاء بالمقاربة العقابية، والانتقال نحو معالجة أعمق لأسباب الظاهرة عبر التوعية والتأطير والوقاية.

في هذا السياق، أثارت النائبة البرلمانية قلوب فيطح الموضوع من خلال سؤال كتابي وجهته إلى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، دعت فيه إلى التفكير في مقاربة تربوية موازية للمقاربة الزجرية في التعامل مع بعض حالات الغش المرتبطة بامتحانات البكالوريا، خاصة في ظل الأرقام المرتفعة التي كشفت عنها الوزارة نفسها.

وتؤكد النائبة، في تفاعلها مع الموضوع، أن موقفها لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يُفهم باعتباره تبريرا أو تطبيعا مع الغش، مشددة على أنها كانت من أوائل البرلمانيين الذين أثاروا ملف مكافحة الغش داخل المؤسسة التشريعية. وتقول إن الدفاع عن الاستحقاق وتكافؤ الفرص يظل مبدأ ثابتا، لأن الغش يشكل ظلما للتلاميذ الذين يجتهدون طوال السنة الدراسية من أجل تحقيق النجاح المستحق والمعدلات التي يستحقونها بجهدهم الشخصي.

وترى أن خطورة الغش لا تقف عند حدود الامتحان، بل تمتد إلى المجتمع بأكمله، لأنه يفرز، بحسب تعبيرها، أجيالا تحمل الشهادات لكنها تفتقر إلى الكفاءات الحقيقية، وهو ما ينعكس سلبا على جودة الموارد البشرية وعلى مختلف القطاعات الحيوية.

غير أن النائبة تعتبر في المقابل أن محاربة الغش لا ينبغي أن تختزل في العقوبات أو في الإجراءات التقنية المصاحبة للامتحانات، بل يجب أن تسبقها عملية تحسيس وتوعية مستمرة طيلة الموسم الدراسي. وتنتقد في هذا الإطار ما وصفته بضعف التواصل مع التلاميذ بشأن بعض الأجهزة المعتمدة لرصد وسائل الغش، معتبرة أن الهدف من هذه الوسائل يجب أن يكون وقائيا بالدرجة الأولى.

وتوضح أن هذه الأجهزة كان من الأجدر، بحسب رأيها، أن تُستعمل عند مداخل قاعات الامتحان لمنع إدخال الوسائل المحظورة منذ البداية، بدل اللجوء إلى عمليات تفتيش خلال الزمن المخصص للإجابة، وهو ما تسبب، وفق ما توصلت به من معطيات، في اقتطاع دقائق ثمينة من وقت عدد من المترشحين. وتشير إلى أن بعض التلاميذ خضعوا لتفتيش استغرق ما بين عشر وخمس عشرة دقيقة دون العثور بحوزتهم على أي هاتف أو وسيلة غش، بينما لم يتم تعويضهم عن الوقت الذي فقدوه، رغم أن مواضيع الامتحانات تميزت هذه السنة بطول الأسئلة وكثرة الصفحات.

لكن النقطة الأكثر إثارة للانتباه، بحسب النائبة، تتعلق بحجم الظاهرة نفسها. فحين تتحدث الأرقام عن آلاف الحالات المسجلة، فإن الأمر لم يعد يتعلق بسلوكات فردية معزولة أو استثناءات محدودة، بل بمؤشر يستوجب الوقوف عند أسبابه الحقيقية. وتضيف أن المجتمع لا يستطيع تحمل خروج آلاف التلاميذ من المسار الدراسي دون شهادات أو تكوينات تؤهلهم للاندماج المهني والاجتماعي، ما يفرض التفكير في حلول متوازنة تحافظ على هيبة الامتحان ومصداقية الشهادة، دون إغفال البعد التربوي والاجتماعي للملف.

ويجمع المتتبعون للشأن التربوي على أن نزاهة الامتحانات خط أحمر لا يمكن التهاون بشأنه، غير أن ارتفاع أعداد المتورطين في الغش سنة بعد أخرى يطرح سؤالا مقلقا: هل يكفي تشديد العقوبات وحده للحد من الظاهرة؟ أم أن الأمر يستدعي بناء استراتيجية شاملة تبدأ من ترسيخ قيم النزاهة داخل المدرسة، مرورا بالمواكبة النفسية والتربوية، وصولا إلى حملات تحسيسية مستمرة تجعل التلميذ مدركا لمخاطر الغش وعواقبه قبل أن يجد نفسه في مواجهة العقاب؟

وبين ضرورة الحزم في مواجهة الغش وضرورة حماية مستقبل آلاف التلاميذ، يبدو أن الرهان اليوم لم يعد فقط في معاقبة المخالفين، بل في بناء ثقافة مدرسية تجعل الغش خيارا مرفوضا من الأصل، لا مجرد مخالفة يُعاقب عليها بعد وقوعها.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى