ازطوطي لـ”إعلام تيفي”: خلو الأسواق من “الحولي” وارتفاع الأسعار يكشف أزمة القطيع والدعم والقادم أسوأ

المهدي سابق

خبر _ في ظل تصاعد حدة الأزمة داخل سوق الماشية بالمغرب، وتنامي الضغط الاجتماعي المرتبط بارتفاع الأسعار وتراجع العرض، تتجه الأنظار إلى السياسات الحكومية المتبعة في تدبير هذا القطاع الاستراتيجي، حيث يثير استمرار اختلالات الإحصاء، وضعف ضبط سلاسل الدعم، وتباين أثر البرامج الفلاحية، نقاشا واسعا حول نجاعة المقاربة المعتمدة في حماية القطيع الوطني وضمان توازن السوق. ويأتي ذلك في سياق تتزايد فيه المؤشرات الميدانية التي تعكس اختلالا بين الأرقام الرسمية وواقع السوق، ما يضع علامات استفهام حول فعالية المنظومة التدبيرية ككل.

وفي هذا السياق، قال عبد الإله ازطوطي نائب رئيس الغرفة الفلاحية لجهة مراكش–آسفي، في تصريح لـ”إعلام تيفي” إن المعطيات الرسمية التي كشفت عنها الحكومة لا تعكس الواقع الميداني لقطاع الماشية، موضحا أن الأزمة الحالية لم تعد مرتبطة فقط بالظرفية الموسمية، بل تعكس اختلالات بنيوية عميقة في منظومة الإحصاء والإنتاج والتوزيع وتدبير الدعم الفلاحي، وهو ما ينعكس مباشرة على تقدير حجم العرض داخل السوق الوطنية وعلى صناعة القرار العمومي.

وأوضح المتحدث أن المعطيات الرسمية التي تشير إلى وجود حوالي 40 مليون رأس من الماشية لا تعكس الواقع الميداني، مؤكدا وجود فجوة واضحة بين الأرقام المعلنة وما هو موجود فعليا في الأسواق والضيعات، وهو ما يحد من دقة التقديرات المرتبطة بالعرض والطلب.

وفي السياق الاجتماعي، أشار إلى أن عددا مهما من الأسر المغربية لم يتمكن من أداء شعيرة عيد الأضحى هذا العام بسبب ارتفاع الأسعار وتراجع العرض، مبرزا حالة ميدانية تتعلق بشراء خروف صغير جدا لا يتجاوز وزنه 10 كيلوغرامات بعد الذبح بمبلغ 4000 درهم، أي ما يعادل 400 درهم للكيلوغرام الواحد، في مؤشر يعكس مستوى الضغط الذي تعرفه السوق. كما لفت إلى أن عددا من الأسواق، خاصة في مناطق مثل الرحامنة، لم يعد يعرف وجود “الحولي” الكبير، حيث أصبح العرض مقتصرا على خراف صغيرة موجهة للتسمين.

وأضاف أن هذا التحول في بنية السوق لا يبدو ظرفيا، بل يعكس مسارا متدرجا نحو تراجع القطيع القابل للتسويق، نتيجة سنوات من الذبح غير المتوازن وضعف إعادة إنتاج القطيع، وهو ما ينذر، حسب تعبيره، بمزيد من الضغط على السوق خلال السنوات المقبلة.

وفي البعد الاقتصادي، حذر من أن أسعار الأضاحي مرشحة لمزيد من الارتفاع، حيث تتراوح أسعار الخراف الصغيرة حاليا بين 2500 و3500 درهم، بينما قد تصل تكلفة الخروف الجاهز للذبح في الموسم المقبل إلى حوالي 5000 درهم، بفعل ارتفاع كلفة العلف والرعاية التي يتحملها الكساب، والتي قد لا تقل عن 2500 درهم إضافية. وأشار إلى أن المفارقة تكمن في وجود تحسن نسبي في الظروف المناخية من حيث التساقطات وامتلاء السدود، مقابل استمرار ارتفاع الأسعار، ما يؤكد أن الأزمة ذات طابع بنيوي وليست مناخية فقط.

وعلى مستوى السياسات العمومية، اعتبر أن أحد أبرز مكامن الخلل يتمثل في اختيار التركيز على استيراد الخراف الموجهة للذبح بدل العمل على إعادة تكوين القطيع عبر دعم الإناث، مؤكدا أن استيراد “النعاج” كان سيشكل خيارا استراتيجيا لضمان استدامة القطيع على المدى المتوسط والبعيد. كما انتقد عدم تفعيل قرار منع ذبح الإناث بشكل صارم، وهو ما ساهم في استنزاف القطيع الوطني بشكل متواصل.

وفي قراءة مقارنة، أشار إلى أن دولا مثل موريتانيا تمكنت رغم ظروفها الطبيعية الصعبة من تحقيق نوع من التوازن والاكتفاء في الأضاحي، في حين ما يزال المغرب يواجه اختلالات في العرض.

أما على مستوى الحكامة، فقد تحدث عن وجود شبكات من الوسطاء تتحكم في جزء من الدعم والتصاريح المرتبطة بالماشية، من خلال معطيات غير دقيقة أو مضخمة حول أعداد القطيع، ما يؤدي إلى انحراف جزء من الدعم عن أهدافه الحقيقية. كما أشار إلى وجود تركز قوي في السوق داخل عدد محدود من الشركات الكبرى، يقدر ما بين 15 و20 شركة تنشط في مجالات الأعلاف والاستيراد، وهو ما يضعف المنافسة ويؤثر على توازن السوق.

وأضاف أن هذا الوضع يتقاطع، حسب تعبيره، مع توظيف بعض آليات الدعم في سياقات سياسية وانتخابية، ما يطرح تساؤلات حول شفافية تدبير الموارد العمومية داخل القطاع، مشيرا إلى أن عددا من رؤساء الغرف الفلاحية غير المنتمين إلى الأغلبية لم يتم إشراكهم في النقاشات أو القرارات المرتبطة بتدبير ملف الأضاحي.

وفي سياق تدبير الملف على المستوى المركزي، أشار إلى أنه، وبعد استشعار خطورة الوضع، تم اتخاذ قرار بسحب ملف دعم الأغنام المستوردة من وزارة الفلاحة وإسناد الإشراف عليه إلى وزارة الداخلية، في محاولة لإعادة ضبط مسار التدبير ومراقبة سلاسل الدعم بشكل أدق.

وختم المتحدث قراءته بالتأكيد على أن أزمة قطاع الماشية في المغرب هي أزمة مركبة، تتداخل فيها اختلالات الإحصاء وتراجع القطيع وارتفاع كلفة الإنتاج وضعف الحكامة وتداخل الاقتصادي بالسياسي، وهو ما جعل السوق تعيش ضغطاً متزايدا انعكس بشكل مباشر على الأسعار والقدرة الشرائية للمواطنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى