حين يتحول الكتاب المدرسي إلى ضحية..من المسؤول عن مشهد تمزيق الكتب في نهاية السنة الدراسية؟

بشرى عطوشي

تحليل- أثار المشهد الذي وثقته عدسات الهواتف بإحدى المدن المغربية، لتلاميذ المرحلة الابتدائية وهم يمزقون الكتب والدفاتر مباشرة بعد انتهاء الموسم الدراسي، موجة من الاستغراب والأسى لدى فئات واسعة من المغاربة. فالصورة لا تختزل مجرد تصرف عفوي لأطفال يحتفلون ببداية العطلة الصيفية، بل تكشف عن أزمة عميقة تضرب علاقة المدرسة المغربية بالمعرفة، وعلاقة التلميذ بالكتاب المدرسي، الذي كان إلى عهد قريب يحظى بمكانة تكاد تلامس القداسة داخل الأسرة المغربية.

ففي أجيال سابقة، كان التلميذ يحتفظ بكتبه ودفاتره وكراريسه سنوات طويلة، بل إن بعض الأسر لا تزال تحتفظ إلى اليوم بدفاتر أبنائها منذ أكثر من عشرين أو ثلاثين سنة، باعتبارها جزءاً من الذاكرة الشخصية ورمزاً لقيمة العلم والتعلم. أما اليوم، فقد أصبح الكتاب بالنسبة لكثير من التلاميذ مجرد ورق عديم القيمة يُلقى في الشارع أو يُمزق أمام أبواب المؤسسات التعليمية.

أزمة تربية قبل أن تكون أزمة تعليم

لا يمكن اختزال الظاهرة في سلوك فردي أو في اندفاع طفولي مؤقت، لأن الطفل لا يولد كارهاً للكتاب. إنما يكتسب نظرته إلى المعرفة من محيطه الأسري والتربوي والاجتماعي.

وهنا تبرز مسؤولية وزارة التربية الوطنية التي ركزت خلال العقود الأخيرة على إصلاحات تقنية ومناهج متعاقبة وبرامج متغيرة، بينما تراجع الاهتمام بالتربية على القيم والمواطنة واحترام الممتلكات العامة والكتاب المدرسي. فالتعليم ليس مجرد تلقين للمعلومات، بل هو بناء لشخصية تحترم المعرفة وتقدر أدواتها.

لقد تحولت المدرسة تدريجياً إلى فضاء للامتحانات والنقط والشهادات، بدل أن تكون فضاءً لتكوين الإنسان. وعندما يغيب البعد القيمي، يصبح من الطبيعي أن يفقد الكتاب مكانته الرمزية في وجدان التلميذ.

لماذا أصبح التلميذ يكره الدراسة؟

من الناحية النفسية، يعيش عدد كبير من التلاميذ المدرسة باعتبارها فضاءً للضغط والتوتر أكثر من كونها فضاءً للاكتشاف والمتعة. فالمناهج المكثفة، وكثرة الواجبات، والخوف من الامتحانات، وضعف الأنشطة الموازية، كلها عوامل تجعل الطفل يربط الكتاب بالإكراه لا بالمتعة.

كما أن كثيراً من الدروس تقدم بطريقة جافة تعتمد الحفظ والاستظهار بدل الفهم والتجريب والتفاعل. فيتحول الكتاب إلى رمز للملل والقيود، وعندما تنتهي السنة الدراسية يشعر بعض التلاميذ أنهم يتخلصون من عبء ثقيل لا من رفيق للمعرفة.

مسؤولية اجتماعية مشتركة

المجتمع بدوره تغير بشكل كبير. فالكتاب لم يعد يحتل المكانة نفسها التي كان يحتلها في الماضي. فقد أصبحت الشاشات والهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي المصدر الرئيسي للمعرفة والترفيه بالنسبة للأطفال.

كما أن الأسرة نفسها لم تعد تشجع القراءة كما كان الحال سابقاً. فالأب الذي كان يخصص ركناً للكتب في المنزل أصبح منشغلاً بضغوط المعيشة، والأم التي كانت تتابع دفاتر أبنائها يومياً أصبحت تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة.

وفي ظل هذا التحول، فقد الكتاب المدرسي الكثير من رمزيته الاجتماعية، وأصبح بالنسبة للطفل مجرد أداة مفروضة عليه لا قيمة معنوية لها.

هل فقد بعض الأطر التعليمية رسالتها التربوية؟

رغم وجود آلاف المدرسين والمدرسات الذين يؤدون رسالتهم بإخلاص وتفانٍ، فإن الواقع يكشف أيضاً عن تراجع لدى جزء من المنظومة في استحضار البعد التربوي النبيل للمهنة.

ففي الماضي، كان المعلم يغرس في تلاميذه احترام الكتاب قبل تدريس محتواه. وكان أي تمزيق لكتاب أو إهمال لدفتر يُعتبر سلوكاً مرفوضاً تربوياً وأخلاقياً.

أما اليوم، فقد أصبحت الضغوط الإدارية والاكتظاظ وضعف التحفيز المهني عوامل تؤثر على أداء العديد من الأطر، مما جعل التركيز ينصب على إنهاء المقرر الدراسي أكثر من بناء علاقة وجدانية بين التلميذ والمعرفة.

وعندما يغيب هذا الدور التربوي، يصبح الكتاب مجرد أداة استهلاكية مؤقتة لا أكثر.

الكتب المدرسية بين التجارة والجودة

لا يمكن إغفال الجدل المتكرر حول سوق الكتاب المدرسي بالمغرب. فكل سنة تتحمل الأسر أعباء مالية متزايدة لاقتناء الكتب والمراجع والدفاتر، في وقت يتساءل فيه كثيرون عن جودة المضامين ومدى فعاليتها في بناء الكفايات الحقيقية لدى المتعلمين.

ويشعر عدد من الآباء أن هناك سباقاً مستمراً نحو تغيير المقررات وإصدار طبعات جديدة، بما يثقل كاهل الأسر مادياً ويخدم مصالح اقتصادية أكثر مما يخدم الاستقرار البيداغوجي.

والنتيجة أن الكتاب يتحول في نظر الأسرة والتلميذ إلى عبء مالي موسمي، وليس إلى استثمار معرفي طويل الأمد.

أين الخلل الحقيقي؟

الخلل لا يكمن في الأطفال الذين مزقوا الكتب، فهم في النهاية يعكسون ما غرسته فيهم المنظومة التربوية والمجتمعية. فالطفل الذي يحب المعرفة لا يمزق أدواتها، والطفل الذي يشعر بقيمة الكتاب يحتفظ به ولو بعد سنوات.

إن مشهد تمزيق الكتب يجب أن يُقرأ باعتباره جرس إنذار يكشف أزمة أعمق: أزمة علاقة المدرسة المغربية بالمعرفة، وأزمة تراجع مكانة الكتاب داخل المجتمع.

نحو إعادة الاعتبار للكتاب المدرسي

إن إعادة الاحترام للكتاب المدرسي لا تبدأ بطرد التلاميذ أو معاقبتهم، بل تبدأ بإعادة بناء مدرسة تجعل التعلم تجربة ممتعة، وتُعيد للتربية مكانتها قبل التعليم، وتغرس في الناشئة حب القراءة والبحث والاكتشاف.

فالكتاب الذي كان بالأمس رمزاً للارتقاء الاجتماعي والأمل في المستقبل، لا ينبغي أن ينتهي ممزقاً في الشارع. لأن تمزيق الكتاب ليس إتلافاً لورق وحبر فقط، بل هو مؤشر مؤلم على تراجع العلاقة بين الأجيال الصاعدة وقيمة العلم نفسها.

وإذا لم تتوقف الجهات الوصية عند دلالات هذه المشاهد بجرأة ومسؤولية، فإن الخطر الحقيقي لن يكون في ضياع الكتب، بل في ضياع المعنى الذي من أجله وُجدت المدرسة أصلاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى