الأحرار يتشبثون بـ”فراقشية الأغنام” ويرفضون لجنة تقصي الحقائق

حسين العياشي
خبر_ أعلن الفريق النيابي للتجمع الوطني للأحرار بمجلس النواب رفضه الانخراط في مبادرة تشكيل لجنة نيابية لتقصي الحقائق في ملف الدعم العمومي الموجه لاستيراد المواشي، مبرّرا موقفه بضيق الزمن التشريعي وغياب الشروط الكفيلة بضمان نجاعة اللجنة. غير أن هذا التبرير، بالنسبة إلى كثيرين، لم يُنه الجدل بقدر ما وسّع دائرته. ذلك أن النقاش لم يعد يدور حول مسطرة إجرائية أو جدولة زمنية داخل المؤسسة التشريعية، بل حول ملف استنزف مليارات الدراهم من المال العام، وأنتج في المقابل واحدة من أكثر المفارقات إيلاما في الوعي الجماعي للمغاربة: دعمٌ سخيّ باسم تخفيف الأسعار، وغلاءٌ غير مسبوق على موائد المستهلكين.
لقد قُدّمت سياسة دعم استيراد المواشي باعتبارها تدخلا استثنائيا فرضته ظروف استثنائية. فالجفاف اشتد، والقطيع الوطني تراجع، والأسواق كانت مهددة باضطرابات في التموين. لذلك فُتحت أبواب الدعم العمومي، ومنحت امتيازات وتسهيلات للمستوردين على أساس أن المستفيد النهائي سيكون المواطن. لكن السنوات التي تلت ذلك لم تحمل إلى الأسر المغربية الأثر الموعود؛ إذ واصلت أسعار الأغنام واللحوم الحمراء تحليقها، وتحول الغلاء إلى عنوان ملازم لكل موسم كان يفترض أن يشهد انفراجا.
هنا بالضبط تبدأ الأسئلة التي لم تجد أجوبة كافية. فإذا كانت الأموال العمومية قد صُرفت بالفعل لتحقيق التوازن في السوق، فلماذا ظل المستهلك خارج دائرة الاستفادة؟ وإذا كانت الغاية هي كبح جماح الأسعار، فكيف يمكن تفسير استمرار ارتفاعها رغم حجم الدعم المرصود؟ ثم من هم المستفيدون الفعليون من هذه العملية؟ وما حجم العائد الذي عاد على السوق الوطنية مقارنة بما أنفقته الخزينة العامة؟
لهذا السبب يصرّ المدافعون عن تشكيل لجنة تقصي الحقائق على أن جوهر القضية لا يتعلق بالدعم في حد ذاته، بل بحق الرأي العام في معرفة ما جرى. فهذه الآلية الدستورية لم تُوجد لمعالجة الملفات العادية أو الوقائع الهامشية، وإنما لاستجلاء الحقيقة في القضايا التي يتداخل فيها المال العام مع المصلحة العامة وتتعاظم حولها الشكوك والأسئلة.
ومن ثم، تبدو الحجة المرتبطة بضيق الزمن التشريعي غير قادرة وحدها على تبديد علامات الاستفهام. فحين يتعلق الأمر بمليارات الدراهم صُرفت من أموال دافعي الضرائب، وبسياسة عمومية كان يفترض أن تنعكس مباشرة على أسعار مادة تمس الحياة اليومية للمواطنين، يصبح النقاش حول الوقت المتبقي من الولاية البرلمانية أقل حضورا من النقاش حول الحاجة إلى الحقيقة نفسها.
بل إن المفارقة تبلغ ذروتها عندما يتحول عامل الزمن إلى سبب لعدم فتح التحقيق، في حين أن مرور الزمن هو في الأصل ما راكم الغموض وعمّق الحاجة إلى الكشف والتوضيح. فكل شهر مضى دون تقديم حصيلة دقيقة للدعم، وكل موسم مرّ دون أن يلمس المواطن أثره، كان يضيف طبقة جديدة من الشكوك فوق هذا الملف.
وفي خضم هذا السجال، لا يبدو أن الرأي العام منشغل كثيرا بالتفاصيل المسطرية أو بالخلافات التقنية حول شروط إحداث اللجنة. ما يشغل المغاربة أكثر هو سؤال بسيط في صياغته، عميق في دلالاته: كيف صُرفت مليارات الدراهم باسم حماية القدرة الشرائية، بينما ظلت القدرة الشرائية نفسها تتآكل تحت وطأة الأسعار؟
ذلك هو السؤال الذي يمنح مطلب تقصي الحقائق مشروعيته السياسية والأخلاقية. فحين يتسع حجم الإنفاق العمومي، وتتسع معه دائرة الضرر، يصبح كشف الحقيقة أقل من أن يكون مطلب معارضة أو أغلبية؛ بل يتحول إلى استحقاق مؤسساتي يفرضه حق المواطنين في معرفة أين ذهبت أموالهم، ومن استفاد منها، وما الذي حققته فعلا على أرض الواقع.





