حقار لـ”إعلام تيفي”: الاستراتيجية المغربية للهجرة عززت إدماج آلاف المهاجرين

أميمة حدري
في ظل تصاعد النقاش الأوروبي حول تشديد سياسات الهجرة واللجوء، عاد الجدل ليتجدد بشأن تداعيات المقاربة الأمنية التي يعتمدها الاتحاد الأوروبي في تدبير تدفقات المهاجرين، خاصة بعد اعتماد الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء.
وعبرت الشبكة النقابية للهجرة بالمغرب عن رفضها لما وصفته بتوجه أوروبي قائم على تشديد مراقبة الحدود وفرز المهاجرين وإبعادهم، بدل تبني مقاربة ترتكز على احترام حقوق الإنسان والالتزامات الدولية ذات الصلة بحماية المهاجرين واللاجئين.
الاستراتيجية المغربية.. مقاربة إنسانية لتدبير الهجرة
وفي هذا السياق، أكد صلاح الدين حقار، الباحث بسلك الدكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط من جمهورية تشاد، أن التحولات التي يعرفها الفضاء الأورو-متوسطي أفرزت واقعا جديدا لم تعد فيه دول شمال إفريقيا، وعلى رأسها المغرب، مجرد مناطق عبور تقليدية للمهاجرين نحو أوروبا، بل تحولت تدريجيا إلى بلدان استقرار وإقامة بالنسبة للمهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء.
وأوضح حقار، في تصريح لـ “إعلام تيفي“، أن المغرب استوعب مبكرا هذه التحولات البنيوية، وهو ما دفعه إلى اعتماد الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء سنة 2014 باعتبارها منعطفا استراتيجيا في تدبير هذا الملف. مشيرا إلى أن هذه الاستراتيجية قامت على مجموعة من المبادئ الأساسية التي ترتكز على المقاربة الإنسانية والكونية، واحترام حقوق الإنسان، والالتزام بالقانون الدولي، وتجديد التعاون، وتكريس مبدأ المسؤولية المشتركة في تدبير الظاهرة.
وأضاف أن الرؤية المغربية في هذا الإطار استهدفت تحقيق أربعة أهداف رئيسية تتمثل في تسهيل إدماج المهاجرين النظاميين داخل المجتمع المغربي، وتحديث الإطار التشريعي والتنظيمي المرتبط بالهجرة، وبناء مؤسسات قادرة على مواكبة تطور الظاهرة، إلى جانب تدبير تدفقات الهجرة مع الحفاظ على الكرامة الإنسانية واحترام الحقوق الأساسية للمهاجرين.
وأشار المتحدث إلى أن تنزيل هذه الاستراتيجية على أرض الواقع تجسد من خلال إطلاق حملات استثنائية لتسوية الوضعية القانونية للمهاجرين، مكنت أكثر من خمسين ألف مهاجر من الحصول على بطاقات إقامة قانونية، فضلاً عن اتخاذ تدابير اجتماعية مرتبطة بالإدماج، من بينها تمكين أبناء المهاجرين من التسجيل في المدارس العمومية والاستفادة من برامج الدعم الاجتماعي والخدمات الأساسية.
وسجل حقار أن نجاح هذه السياسة يظل رهينا بقدرة المؤسسات والفاعلين العموميين على تحويل المبادئ المعلنة إلى سياسات عمومية فعالة ومستدامة، قادرة على ضمان حقوق المهاجرين وتعزيز قيم التعايش والتماسك الاجتماعي. معتبرا أن الهجرة لم تعد ظاهرة ظرفية مرتبطة بسياقات عابرة، بل أصبحت معطى بنيويا يفرض تبني مقاربة استراتيجية بعيدة المدى تراعي في الآن نفسه حماية الحقوق وصيانة المصالح الوطنية.
المغرب فاعل إقليمي في ملف الهجرة
وفي قراءته للدور الإقليمي للمغرب، أكد رئيس نادي الإعلام والدراسات السياسية، أن المملكة أضحت فاعلا محوريا داخل الاتحاد الإفريقي في قضايا الهجرة، وهو ما يفرض عليها تطوير سياسات منسجمة مع هذا الموقع الإقليمي، خاصة في ظل تنامي أشكال التعاون الأمني مع الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك التعاون مع الوكالة الأوروبية لحماية الحدود، الأمر الذي يعكس تشابكا واضحا بين الاعتبارات السيادية والالتزامات الدولية ذات الصلة بالهجرة.
وفي مقابل المقاربة المغربية، توقف المتحدث عند ما وصفه بـ”أمننة الهجرة” داخل أوروبا، موضحا أن عددا من دول الاتحاد الأوروبي بات ينظر إلى تدفقات الهجرة باعتبارها تهديدا مباشرا للأمن القومي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وهو التوجه الذي تعزز مع صعود أحزاب اليمين المتطرف والقوى الشعبوية، إلى جانب تبني بعض الأحزاب التقليدية لخطاب أكثر تشددا بشأن الهجرة، مستفيدة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لتبرير سياسات تقوم على تشديد الرقابة وإغلاق الحدود.

وفي هذا الإطار، أشار حقار إلى أن ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي الجديد لسنة 2026 شكل محطة مفصلية في تكريس هذا التحول، باعتباره أسس لنظام رقابي أكثر صرامة في تدبير تدفقات الهجرة داخل الاتحاد الأوروبي، موضحا أن أبرز ملامح هذا الميثاق تتمثل في اعتماد الفحص الحدودي الصارم واستخدام البيانات البيومترية، إلى جانب تفعيل إجراءات حدودية سريعة قد تصل مدتها إلى اثني عشر أسبوعا بالنسبة للمهاجرين القادمين من دول ذات نسب قبول منخفضة لطلبات اللجوء، حيث يعتبر هؤلاء قانونيا غير داخلين إلى التراب الأوروبي طيلة فترة المعالجة.
وأضاف أن الميثاق الأوروبي الجديد اعتمد أيضا مبدأ “التضامن الإلزامي المرن”، والذي يفرض على الدول الأعضاء داخل الاتحاد الأوروبي إما استقبال حصص محددة من طالبي اللجوء لا تقل عن ثلاثة آلاف شخص سنويا، أو أداء مساهمة مالية تصل إلى عشرين ألف يورو عن كل شخص يتم رفض استقباله، فضلا عن إحداث صندوق تضامن أوروبي بقيمة 420 مليون يورو برسم سنة 2026 بهدف دعم عمليات نقل طالبي اللجوء وتخفيف الضغط على دول الجنوب الأوروبي، خاصة اليونان وإيطاليا وإسبانيا.
كما أبرز الباحث أن من بين أبرز التحولات التي جاء بها الميثاق الأوروبي الجديد تطوير سياسة مراكز العودة خارج الاتحاد الأوروبي، من خلال إبرام اتفاقيات مع دول العبور في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وذلك بهدف احتواء تدفقات الهجرة قبل وصولها إلى الأراضي الأوروبية، غير أن هذه المقاربة أثارت، بحسبه، انتقادات واسعة من قبل عدد من الباحثين والمنظمات الحقوقية والدولية التي اعتبرت أن تصدير التزامات اللجوء إلى دول ثالثة قد يشكل مساسا بمبدأ عدم الإعادة القسرية ويقوض أسس التضامن الإنساني الدولي.
وفي السياق ذاته، شدد حقار على أن الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب في مجال الهجرة تظل من أبرز محاور التعاون الجيوسياسي بين الجانبين، موضحا أن المغرب يحتل المرتبة الثانية من حيث حجم الدعم المالي الأوروبي المخصص لإدارة الحدود وسياسات الهجرة، غير أن هذه الشراكة تثير في المقابل نقاشا واسعا، خاصة لدى بعض الأصوات التي ترى أن أوروبا تتعامل مع المغرب باعتباره “دركيا للحدود” مقابل دعم مالي لا تنعكس آثاره بالشكل الكافي على تحسين الخدمات العمومية والبنيات الاجتماعية.
وأضاف أن الانتقادات الموجهة للمقاربة الأوروبية لا تتوقف عند هذا الحد، بل تمتد إلى تحميل الدول الغربية جزءاً من المسؤولية التاريخية عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها بلدان إفريقية عديدة، مع الدعوة إلى معالجة الأسباب العميقة للهجرة، وعلى رأسها الفقر والهشاشة وضعف التنمية، بدل الاكتفاء بسياسات الاحتواء الأمني وتشديد المراقبة الحدودية.
وأكد المصدر ذاته أن المغرب يرفض بشكل واضح لعب دور الحارس التابع للحدود الأوروبية، ويتمسك بمبدأ الندية في علاقاته مع الاتحاد الأوروبي، كما يثير تساؤلات قانونية وسيادية مرتبطة بمدى صحة بعض الادعاءات الأوروبية المتعلقة بمسارات عبور المهاجرين عبر التراب المغربي، في إطار مقاربة تقوم على حماية السيادة الوطنية والتعامل الندي مع الشركاء الدوليين.
وعلى المستوى الداخلي، أوضح حقار أن النقاش حول الهجرة داخل المغرب يشهد تصاعدا ملحوظا في ظل التوازن الصعب بين المقاربة الإنسانية الرسمية والهواجس الأمنية والاجتماعية والاقتصادية التي يعبر عنها جزء من الرأي العام، خاصة مع تزايد النقاشات المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي بشأن أعداد المهاجرين، وما يرتبط بذلك من تحديات مرتبطة بالتجمعات غير النظامية والضغط على الخدمات العمومية وظهور بعض الأنشطة غير القانونية في عدد من الفضاءات.
الإدماج الثقافي ورهانات التعايش
وفي المقابل، شدد رئيس نادي الإعلام والدراسات السياسية، على أن تدبير ملف الهجرة لا ينبغي اختزاله فقط في البعد الأمني، بل يجب إدراجه ضمن مشروع استراتيجي أشمل يهدف إلى تعزيز الاندماج الإفريقي وترسيخ قيم التضامن جنوب-جنوب، موضحا أن نجاح أي سياسة للهجرة لا يقاس فقط بقدرتها على ضبط الحدود، وإنما أيضا بقدرتها على بناء جسور الاندماج الاجتماعي والثقافي بين المهاجرين والمجتمعات المستقبلة.
وأضاف أن العلاقات المغربية الإفريقية ليست ظرفية أو مرتبطة بسياقات سياسية عابرة، بل تستند إلى امتداد تاريخي طويل من الروابط الدينية والثقافية والإنسانية، وهو ما يجعل الإدماج الثقافي عنصرا أساسيا في أي سياسة ناجحة للهجرة، باعتباره يشكل الحصن الأول ضد التهميش والعزلة الاجتماعية، مؤكدا أن تمكين المهاجر من تعلم اللغة وفهم خصوصيات المجتمع المضيف والمشاركة في الحياة الثقافية والمدنية يرفع من فرص اندماجه الإيجابي ويحد من احتمالات الانغلاق أو الاحتكاك الاجتماعي.
وأشار إلى أن المؤسسات الدولية باتت تعتبر الاستثمار في الإدماج الثقافي والتربوي للمهاجرين لا يقل أهمية عن الاستثمار في الأمن ومراقبة الحدود، خاصة في ظل التحديات المتزايدة المرتبطة بتدبير التنوع الثقافي والاجتماعي داخل المجتمعات المستقبلة.
وأكد حقار أن التحدي الحقيقي الذي يواجه المغرب اليوم يتمثل في المحافظة على التوازن الدقيق بين الأمن والإنسانية، وبين حماية المصالح الوطنية واحترام الالتزامات الإفريقية والدولية، مبرزا أن المملكة مطالبة، بحكم موقعها الجغرافي وخياراتها الاستراتيجية، ببناء نموذج متوازن يجعل من الهجرة فرصة لتعزيز التنوع الثقافي والتعاون القاري بدل تحويلها إلى مصدر للتوتر والانقسام.
وفي إطار تعزيز حكامة تدبير هذا الملف، دعا الباحث إلى تطوير ميثاق إقليمي عادل لتقاسم المسؤوليات بين الدول، وتفعيل وتحديث الإطار التشريعي الوطني بما ينسجم مع الميثاق العالمي للهجرة، إلى جانب تجاوز بعض القوانين التي قد تعيق إدماج المهاجرين داخل المجتمع.
كما شدد في ختام تصريحه لـ “إعلام تيفي” على أهمية بناء جبهة دبلوماسية إفريقية موحدة تعتمد على معطيات دقيقة تصدر عن مرصد إفريقي متخصص في الهجرة، بهدف مواجهة الضغوط المرتبطة بسياسات التأشيرات والمساعدات المشروطة، فضلا عن التأكيد على أن الحل الجذري للهجرة القسرية يظل رهينا بدعم التنمية المستدامة وخلق بدائل اقتصادية حقيقية للشباب الإفريقي داخل بلدانهم الأصلية.





