الفركي لـ “إعلام تيفي”: كل 10 دقائق تختفي مقاولة صغيرة والاقتصاد الوطني لا يمكن أن ينمو بمقاولات “منهكة” (حوار)

أميمة حدري
تواجه المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة بالمغرب، في السنوات الأخيرة، تحديات متزايدة فرضتها التحولات الاقتصادية وتداعيات الأزمات المتلاحقة، بدءا من جائحة كورونا وصولا إلى موجات التضخم وارتفاع كلفة الإنتاج وتراجع القدرة التمويلية.
وبينما تشكل هذه المقاولات العمود الفقري للنسيج الاقتصادي الوطني، وتساهم بنسبة كبيرة في خلق فرص الشغل وتحريك الدورة الاقتصادية، يثير عدد من الفاعلين الاقتصاديين تساؤلات حول مدى استفادتها الفعلية من السياسات العمومية وبرامج الدعم والتمويل، في مقابل استمرار العراقيل المرتبطة بالضرائب والتمويل وآجال الأداء والتمثيلية داخل مؤسسات القرار الاقتصادي.
وفي هذا الحوار، يتحدث عبد الله الفركي عن واقع المقاولات الصغرى بالمغرب، ويشرح أسباب وصفها بـ”المحرك المعطوب” للاقتصاد الوطني، كما يدافع عن مطلب إحداث بنك عمومي متخصص في مواكبة وتمويل هذه الفئة من المقاولات، ويطرح رؤيته بشأن ضرورة تمكينها من تمثيلية حقيقية داخل مؤسسات الحكامة والحوار الاجتماعي، باعتبارها فاعلا اقتصاديا أساسيا في تحقيق التنمية والتوازن الاجتماعي.
نص الحوار:
بداية، كيف تقيمون واقع المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة في المغرب اليوم؟
للأسف، واقع المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة بالمغرب يمر بمرحلة دقيقة وغير مسبوقة. فهذه الفئة، التي تشكل أكثر من 98 بالمائة من النسيج الاقتصادي الوطني “مصدر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي 2025″، وتساهم بشكل كبير في خلق آغلب فرص الشغل وإنتاج الثروة، أصبحت اليوم تواجه أزمة هيكلية عميقة تهدد استمراريتها.
المقاولات الصغرى لا تعاني فقط من تداعيات الأزمات المتتالية، سواء جائحة كورونا أو سبع سنوات من الجفاف أو التضخم أو ارتفاع أسعار المواد الأولية والطاقة، بل تعاني أيضا من اختلالات مزمنة في المنظومة الاقتصادية، أهمها صعوبة الولوج إلى التمويل، وتأخر آجال الأداء، وارتفاع الضغط الجبائي والاجتماعي، وضعف الولوج إلى الصفقات العمومية، إضافة إلى تعقيد المساطر الإدارية.
وللأسف، أصبحنا نسجل بشكل شبه يومي حالات توقف وإفلاس أو تجميد نشاط عدد كبير من المقاولات الصغيرة، كل 10 دقائق تختفي مقاولة صغيرة، بينما تتردد آلاف المشاريع الجديدة في الاستثمار بسبب غياب بيئة اقتصادية مطمئنة، أكثر من 70 في المائة من الألاف من المقاولات الجديدة لا تتعدى الخمس سنوات الأولى من عمدها.
المشكل الحقيقي أن الاقتصاد المغربي لا يمكن أن ينمو بشكل متوازن إذا بقيت هذه الفئة تعيش في وضعية هشاشة دائمة، لأن قوة أي اقتصاد تقاس بقوة مقاولاته الصغرى قبل الكبرى.
ما الذي تقصدونه بوصف المقاولات الصغيرة بأنها “محرك معطوب” للاقتصاد؟
هذا الوصف ليس مجرد تعبير إعلامي، بل هو تشخيص اقتصادي دقيق. ففي جميع الاقتصادات المتقدمة، تعتبر المقاولات الصغيرة والمتوسطة المحرك الحقيقي للنمو، لأنها تخلق أغلب مناصب الشغل، وتحرك الاستثمار المحلي، وتنعش الاقتصاد الجهوي، وتغذي المقاولات الكبرى بالموردين والخدمات.
أما في المغرب، فإن هذا المحرك موجود لكنه لا يعمل بكامل طاقته. لدينا آلاف المقاولات التي تمتلك الكفاءة والرغبة في الاستثمار والتوسع، لكنها تصطدم يوميًا بعراقيل تجعلها عاجزة عن أداء دورها الطبيعي. فعندما تعجز المقاولة عن الحصول على تمويل، أو تنتظر أشهرا لتحصيل مستحقاتها، أو تفرض عليها ضرائب مثل ما تفرض على المقاولات المتوسطة و الكبيرة أي 20 في المائة، تتحمل أعباء لا تتناسب مع حجمها، فإنها تتحول من محرك للنمو إلى مقاولة تكافح فقط من أجل البقاء.
وهذا ما قصدناه بالمحرك المعطوب؛ فالمشكل ليس في المقاولات نفسها، وإنما في البيئة الاقتصادية والمؤسساتية التي لم توفر لها شروط الاشتغال السليم. ولو تم إصلاح هذه الاختلالات، فإن المقاولات الصغيرة قادرة على أن تصبح أكبر رافعة للتشغيل والاستثمار والنمو خلال السنوات المقبلة.
ما الذي سيضيفه إحداث بنك عمومي مخصص للمقاولات الصغيرة مقارنة بالمؤسسات البنكية الحالية؟
نحن لا نطالب بإحداث بنك عمومي لأننا ضد الأبناك التجارية، وإنما لأن التجربة أثبتت أن المنظومة البنكية الحالية، رغم المجهودات المبذولة، لا تستجيب بالشكل الكافي لخصوصيات المقاولات الصغيرة جدًا. فالأبناك التجارية تشتغل بمنطق الربحية وتقليص المخاطر، بينما المقاولة الصغيرة تحتاج إلى مؤسسة مالية تعتمد أيضًا منطق التنمية الاقتصادية ودعم الاستثمار الوطني و المصلحة الاجتماعية و الأمنية للبلاد.
البنك العمومي الذي نقترحه يجب أن يكون مؤسسة تنموية متخصصة، ترافق المقاولة منذ مرحلة الفكرة، ثم التأسيس، ثم النمو، ثم التصدير، وليس مجرد جهة تمنح القروض. وهذه التجارب موجودة في بعض الدول ولقد اعطت نتائج مهمة جدا على غرار البنك العمومي الفرنسي “bpifrance” المتخصص فقط في تمويل ومواكبة المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة.
كما يمكن لهذا البنك أن يقدم ضمانات، وتمويلات بشروط ملائمة، وقروضا طويلة الأجل، وآليات لإعادة جدولة الديون، إضافة إلى خدمات المواكبة والاستشارة. اليوم، عدد كبير من المقاولات القابلة للحياة لا يفشل بسبب ضعف المشروع، وإنما بسبب غياب التمويل المناسب والمواكبة.
لذلك نعتبر أن الاستثمار في المقاولات الصغيرة ليس تكلفة على الدولة، بل هو استثمار مباشر في خلق فرص الشغل، وتوسيع القاعدة الضريبية، وتقوية الاقتصاد الوطني و الحفاض على السلم الاجتماعي حتى لا يبقى عندنا في المغرب مغرب بسرعتين كما أشار لها الملك محمد السادس في أحد خطاباته الأخيرة.
ما أهمية منح المقاولات الصغيرة تمثيلية داخل المؤسسات الدستورية وهيئات الحوار الاجتماعي؟
هذا مطلب يتعلق بالعدالة التمثيلية قبل أي شيء آخر. فكيف يعقل أن تمثل المقاولات الصغيرة أغلبية النسيج الاقتصادي الوطني، وتوفر الجزء الأكبر من فرص الشغل، ثم تغيب عن المؤسسات التي تناقش السياسات الاقتصادية والاجتماعية وقوانين و برامج مصيرية؟.
تُشير المناقشات التي جرت في دجنبر 2022 حول مشروع قانون المالية لسنة 2023 إلى زيادة الضريبة على المقاولات الصغرى من 10 بالمائة إلى 20 بالمائة، أي بارتفاع مضاعف، مما يفعنا إلى عقد اجتماع طارئ مع وزيرة المالي نادية فتاح العلوي لضغط عليها كي يتم إلغاء هده الزيادة في الضديبة.
لكننا تلقينا وعوداً لم يتم تنفيذها، في المقابل ورغم وجود فريق برلماني يمثل الاتحاد العام لمقاولات المغرب (الباطرونا) مكون من 8 مقاعد لكن دون أن يُعبّر أي أحد منهم عن معارضته على هده الزيادة المجحفة في الضريبة على المقاولات الصغرى، ولم يتقدم أي منهم بتعديل على هدا القانون، حيث كانوا يركزون على خفض الضريبة للمقاولات الكبيرة والمتوسطة من 31 بالمائة إلى 20 بالمائة، وهو ما تحقق لهم.
ومن هنا يتبين بان تواجد الباطرونا بالغرفة الثانية فقط للدفاع عن مصالح المقاولات الكبيرة والمتوسطة أما الصغري فلها الله. ويتساءل البعض عن أهمية التمثيلية في مثل هذه الحالات. كما يذكر أن هناك قانونا صدر في 2013 يتيح للمقاولات الصغيرة جدًا والصغرى والمتوسطة الحصول على نسبة 20 بالمائة من مجموع الصفقات العمومية، لكنه لم يُفعّل حتى الآن، بسبب غياب المساءلة في الغرفتين حول ضرورة إصدار مراسيم تطبيقية منذ أكثر من 13 سنة.
بالإضافة إلى ذلك، توجد برامج حالية تقدم دعمًا للمقاولات، لكنها تستثني المقاولات الصغرى، حيث تفرض شروطًا مجحفة تُصعّب على هذه المقاولات الصغرى تلبيتها لتبقى وحدها المقاولات الكبيرة والمتوسطة هي المستفيد من الدعم الحكومي.
تُظهر هذه الأمثلة أن العديد من القرارات المتعلقة بالضرائب، والعمل، والاستثمار، والحماية الاجتماعية، والتمويل تُتخذ دون إشراك فعلي للمقاولات الصغيرة، رغم أن تأثيرها يكون الأكبر عليها.
لذا، نطالب بتمثيلية حقيقية للمقاولات الصغيرة داخل المجالس الدستورية، وهيئات الحكامة، ومؤسسات الحوار الاجتماعي، لضمان حضور صوتها أثناء صياغة السياسات العمومية، وليس فقط بعد صدورها. فالديمقراطية الاقتصادية تقتضي أن يكون لكل فاعل اقتصادي تمثيل يتناسب مع وزنه الحقيقي داخل الاقتصاد الوطني. ولا يمكن بناء نموذج تنموي قوي إذا كانت الفئة التي تمثل الأغلبية الاقتصادية تعاني من التهميش في دوائر اتخاذ القرار.
إن تمثيل المقاولات الصغيرة ليس امتيازًا، بل هو استحقاق دستوري واقتصادي، وضمانة لإعداد سياسات أكثر واقعية وإنصافًا وفعالية، لأن من يعيش مشاكل المقاولة يوميًا هو الأقدر على اقتراح الحلول المناسبة لها.





