
حسين العياشي
خبر_ طالب مجلس المنافسة بإعادة رسم قواعد الولوج إلى مهنة المحاماة، معتبرا أن عددا من المقتضيات الواردة في مشروع القانون رقم 66.23 لا تنسجم مع مبادئ المنافسة الحرة، وتفرض قيودا قد تحول دون انفتاح سوق الخدمات القانونية، بما ينعكس سلبا على المتقاضين والمقاولات على حد سواء.
وجاء هذا الموقف في رأي استشاري أصدره المجلس استجابة لطلب تقدمت به الفيدرالية الديمقراطية للشغل، حيث خلص إلى أن مشروع القانون، بصيغته الحالية، يتضمن مقتضيات من شأنها تكريس الندرة داخل المهنة، بدل توسيع قاعدة الولوج إليها واستقطاب كفاءات جديدة قادرة على الرفع من جودة الخدمات القانونية.
ومن أبرز ما أثاره مجلس المنافسة، دعوته إلى حذف شرط تحديد السن الأقصى في 45 سنة لاجتياز مباراة الأهلية، معتبرا أن هذا القيد يحرم المهنة من خبرات مهنية وأكاديمية راكمها أشخاص اشتغلوا في مجالات أخرى قبل التوجه إلى المحاماة. كما شدد على ضرورة تنظيم مباراة الولوج إلى معهد التكوين بشكل سنوي ومنتظم، بدل تنظيمها على فترات متباعدة، مؤكدا أن المحاماة، باعتبارها مهنة حرة، لا ينبغي أن تخضع لمنطق التحكم في أعداد الممارسين.
وفي الاتجاه نفسه، أيد المجلس توسيع قاعدة الولوج إلى المهنة لتشمل عدداً من الفئات المهنية، من بينها أطر الإدارات العمومية وموظفو كتابة الضبط والمستشارون القانونيون بالمقاولات، شريطة احترام مبدأ التفرغ الكامل بعد الالتحاق بالمهنة. وفي المقابل، أبدى تحفظاً إزاء استمرار الجمع بين التدريس الجامعي في شعبة القانون وممارسة المحاماة، معتبراً أن تمتع الأستاذ الجامعي بدخل قار قد يخلق وضعية غير متكافئة مع المحامين المتفرغين.
ولم يقف الرأي عند شروط الولوج، بل امتد إلى الجانب المالي الذي وصفه بأنه يشكل أحد أبرز العراقيل أمام الشباب الراغبين في ممارسة المهنة. وانتقد مجلس المنافسة تفاوت واجبات الانخراط بين هيئات المحامين وغياب أي مرجعية وطنية تضبط سقف هذه الرسوم، بعدما بلغت في بعض الحالات مستويات مرتفعة تجعل الولوج إلى المهنة رهيناً بالإمكانات المالية أكثر من الكفاءة المهنية.
ولمعالجة هذا الاختلال، أوصى المجلس بإحداث إطار مرجعي وطني يحدد سقفا موحدا لواجبات الانخراط، على أن تقتصر هذه الرسوم على تغطية المصاريف الإدارية، مع اعتماد نظام للاشتراكات السنوية يرتبط بحجم النشاط المهني للمحامي، بما يضمن قدراً أكبر من العدالة والإنصاف بين مختلف الممارسين.
وفي ما يتعلق بممارسة المهنة، دعا المجلس إلى مراجعة المادة 33 من مشروع القانون، بما يسمح للمحامين بتحرير مختلف العقود والاتفاقيات المدنية والتجارية، مع الإبقاء على استثناء العقود المرتبطة بالحقوق العينية العقارية، بالنظر إلى خصوصيتها القانونية وما تقتضيه من تنظيم خاص.
كما أولى الرأي أهمية خاصة لحماية حقوق المتقاضين، داعيا إلى اعتماد مرجعيات ومنصات رقمية استرشادية تساعد على تقدير أتعاب المحامين دون فرض تسعيرة موحدة، مع التنصيص على إلزامية الاتفاق الكتابي المسبق بشأن الأتعاب، واعتماد الفوترة المفصلة لتعزيز الشفافية والحد من النزاعات.
وفي السياق ذاته، اقترح المجلس إعادة هيكلة نظام المساعدة القضائية عبر منصة رقمية تعتمد التوزيع الآلي والتناوبي للملفات وفق معايير موضوعية، بما يضمن تكافؤ الفرص بين المحامين ويضع حداً لتركز هذا النوع من القضايا لدى عدد محدود من المكاتب.
ويعكس الرأي، في مجمله، توجها نحو إعادة التوازن بين متطلبات تنظيم مهنة المحاماة وضرورات المنافسة، من خلال الدعوة إلى تخفيف القيود غير المبررة، وتوسيع فرص الولوج، واعتماد الحكامة الرقمية، وتشجيع التكنولوجيا القانونية، بما يفضي إلى سوق أكثر انفتاحا وخدمات قانونية أكثر جودة لفائدة المتقاضين والفاعلين الاقتصاديين.





